غادر الشاعر أنور سلمان، لم يغادر، دخل حديقة في بلدته الرملية ويقف فيها يستقبل زوّاره والأصدقاء، ويتحرك في كل اتجاه في قصيدته الشعرية.
الشاعر والمناضل الذي حافظ على موقعه وتعمق به في بنية لغوية متماسكة وتفعيلية، بصوتية كلاسيكية جميلة المباني والإيقاع واللهجة النظيفة ترك أوراقاً كثيرة في الأدب وفي الشعر وفي حقول خضراء من القصيدة كتلك التي تغمر بلدته الرملية وتتنفس ذلك الزمن الجميل والجبل العالي الذي رافق نشأة أنور سلمان وأبناء جيله وعزّز أفق القصيدة الوطنية.
أنور سلمان صار حديقة، حضوراً أخضر وشجراً وماءً وهواء ولا يحدُّ قصيدته العالية إلا حدود أفق أزرق يتلوّن وراء الشمس في شروقها وراء غروبها بألوان وألوان.
نهاية الأسبوع الماضي احتفلت الرملية به على طريقته، افتتحت حديقة باسمه وأزيح الستار عن تمثاله وارتوى المكان بهواء الأصدقاء من شعراء وفنانين ورسميين وأبناء القرية الوديعة والجوار من كل لونٍ ولون.
الاحتفال تضمن شريطا تسجيلياً وكلمات للوزراء غطاس خوري وملحم رياشي وللوزير السابق غازي العريضي والشاعر شوقي بزيع الذي ألهب الحضور بكلمات في الشاعر الراحل وأمامه وخلفه جيل كمال جنبلاط «ولا ندري أصار الجيل كمال جنبلاط أم صار كمال جنبلاط هو الجيل؟»، واختتم الحفل الذي قدّمه الفنان جهاد الأطرش بكلمة نجله المؤلف الموسيقي المهندس نشأت سلمان. وكانت جولة مؤثرة في حديقة الشاعر وصول تمثال صمّمه الفنان بيار كرم. وكان تكريماً واسعاً للشعر المسبوك وطنية وعاطفة ووجداناً الذي أتقنه أنور سلمان وعبّر به في المدينة الشعرية لكل لبنان، ليس لفئة أو منطقة أو طائفة وفوق الانقسامات والتمزقات والعزلات الخانقة.
وبالمناسبة وتحية للشاعر الراحل أصدرت دار نلسن للنشر وبالتعاون مع اتحاد الكتّاب اللبناني كتاباً جمع دراسات وشهادات في الأمس منها لجوزف حرب وعلي شلق وجورج جرداق وحسن عبدالله وسليمان بختي وطارق آل ناصر الدين وهنري زغيب وشوقي بزيع ووجيه فانوس وآخرين من صحافيين ونقاد ورجال سياسة وإعلام، في سلسلة طويلة من المقالات من شاعر كان غزير الانتاج ترك العديد من الدواوين والأوراق الجميلة والحضور المنفعل رومنطيقية، بـ«دنيا الشعر» التي كانت دنيا حياته كلها.