بعد عام من رحلته في ملامح السودان السياسية والمجتمعية عبر روايته الأولى «ذبائح ملونة/ 2013»، يعود إلينا الكاتب والصحافي اللبناني سليم اللوزي بروايته «خلف العتمة»، خالقاً عالمه الذاتي، مجدداً فيه الصراع مع حيواته الأخرى المتولدة أساساً من الأفكار المتثاقلة التي يعيشها في مجتمعه المحيط.
الرواية تشكل صورة لذات الكاتب وأناه المبعثرة في كتلة من العوالم الذاتية التي لا يدركها في حياته الواقعية، إلا أنه يبصرها بحرفيتها ووقائعها، داخل عالمه الخاص المليء بالمسالك المبهمة، والتي تضيع منه كلما خرج من أحلامه، المتناسلة من تزاوج الحقيقي بالوهمي.
أحلام غير مكتملة
الحلم أساس الحدث، ينطلق منه سليم قافزاً بين تخيلاته المتشعبة بلا ضوابط تنجدها من الانفلات، فشخصيات روايته ليست إلا أناساً لم يعرفهم في الحقيقة، لكنه شاهد ما يشبههم ربما، أو مر عليه ما يساير حكاياتهم.
فمن رؤياه لأطفال الموت، يلعبون في الشوارع، غير مكترثين بالقذائف التي تسقط حولهم، ما يدل على عبثية فكرة الموت لمن تعود عليه، ينقلنا سليم إلى أحلام أخرى أكثر عبثية وتجريداً للواقع، الذي نخاف أن نحكيه أحياناً، فيصور في منام آخر جريمة قتل تمت بدم بارد لشخص ما، ثم يتخيل عملية تحقيق من قبل رجال الأمن مع أحد المعتقلين، ويهددونه باغتصاب أخته إن لم يعترف، ليقرّ بما لم يحدث، وتكون نهايته الموت برصاصة من المحقق.
من هذه الأحلام، تنبثق فتاة لا يعرفها، لكنه يتبعها بلا إرادة، يتبعها كسائح خلف العدم، ليعرف إلى أين سيصل به الحلم.
تحمله أنثاه المبهمة إلى حكايا أكثر عمقاً، لتصل فيه إلى الدمج بين ما يعيشه وما يراه إذا خلد إلى نومه، فها هو الطفل الذي راقبه من نافذة مكتبه أثناء مسحه للسيارت يدخل عالم أحلامه الخاص، عبر بوابة رؤياه وهو يتعرض للابتزاز الجنسي، لنجد أن حالة مماثلة عرفها الكاتب في صغره مرت مع صديقه الذي ناله هذا الابتزاز عبر شيخ الجامع المريض.
يخرج الحلم من إطار المدرك إلى اللامدرك، فما يحاول الكاتب مشاهدته عبر فيلم وثائقي عن بلد مجاور، يُقتل شَعبُه على يد حاكمه، يراه في منامه، وقد سهدت عينه فجأة عن التلفاز، ليشاهد الكثير من أحداث الوثائقي، ويستيقظ في آخره متسائلاً هل ما رأيته قد حدث بالفعل، هل مات المراسل بقذيفة حقاً؟
رواية لكل شخصية
بعرض المقتضب لكل من شخصيات الرواية، يضعنا اللوزي أمام احتمالية أن كل واحدة من هذه الشخصيات غير المكتملة، قابلة لأن تكون رواية بحد ذاتها، فهي واقعة في تشخصيها الروائي، تحت بند ما شاهده هو، من دون أن يسمح لأي منها في أن تعبّر عن نفسها. وهنا تكمن فكرة، أن ما جسده في روايته، لا يبلغ الواقع تماما لكنه يحاكيه عن طريق القرين المتشكل بعالم، وازاه الكاتب مع نفسه، فرأى كل شخصياته كما يفكر ويحلم. أو بوصف أدق، كما عايش وقائع مشابهة لما شاهده في غفواته القلقة.
ماذا عن الواقع؟
يدلنا عرض اللوزي لأحداث روايته في إطار الحلم المحتمل الوقوع، إلى أنه حاول الهرب من الواقع مراراً، رغم أنه تشابه مع الحلم في الكثير من الأحيان، لكن هذا الهرب ليس من الحدث كما يظهر لنا، إنما هو هرب من الشخصيات المؤثرة بما يصيبه في عتمته، فمن غسان صديق الكاتب في الرواية، وقريبه الشيخ عبد الغفور، يهرب سليم، بعيدا عن إغواء الخرافة وفكرة الشفاء مما يلقاه أثناء نومه عبر طرد الشياطين والجان منه.
رحلة الهرب هذه لا تخصه وحده، لكنها ترمي حبالها عبره إلى أولئك الأطفال الأنقياء الذين يصورهم في نصه، وقد تبرمج تفكيرهم بأن الله سيخنق الأطفال الكاذبين ليلاً.
هذا الواقع الذي يصوره لنا بقتامته، محاولاً التفكر في أشياء أخرى أكثر هولاً، حول الحب والحرب والرغبة المحرمة، في مجتمع يعاني إخفاء أمراضه أكثر من أمراضه نفسها.
سرد متجدّد
يأخذنا سليم اللوزي بعيداً عبر عوالمه، متنقلاً بين شخصيات روايته السريعة السرد، مقتضباً من كل روح قطعة تشبه في جزء منها، ما تحويه شخصيته الأساسية من أفكار، عن أشياء يشهدها في مجتمعه الراهن، وشهدها فيما سبق، كونت لديه هذا المدخر من النظرات المتراتبة، غير المقنعة، ليقرر في الجانب المعتم من حياته الهروب منها إلى أشياء يريدها أساساً لكنه لا يدركها.
وهنا تكمن مسألة تفتيت قدرة القارئ على الإبحار في الخيال الواحد، من خلال إجباره على التخيل المتعدد في وقت واحد سريع يجعل من تلك الرواية على قصرها (137 ص) بحاجة إلى قراءة دقيقة قبل الشروع في التفكير بإنهائها.
ما يبرر لسليم إرهاقه للقارئ بهذه التداخلات المتلاحقة، أنه عمل على تحقيق اندثار مقنن للنص، يمكن تجميعه في نهاية الأمر، فضلاً عن استخدام لغة بسيطة سهلة، تشكل فلسفة صوفية خاصة بالكتاب يمكن استشفافها بما استند إليه من شذرات الصوفي الشهير «جلال الدين الرومي» في مقدمة فصلي الرواية.
تكتمل جمالية السرد في الرواية بخروجها عن النمط الإسهابي المعتاد، إلى ناحية الصور السريعة الملتقطة بشعرية بالغة، وصور متواترة، تمنح الأسلوب تموجاً متزناً، وروحاً مختلفة تمكن من التفكر بالشخصية المتحدثة خلال الرواية والإبحار في عالمها.
«خلف العتمة« نزعة ذهنية متخيلة، تغوص في جوانب الذات المنصهرة في المجتمع، والرافضة لما فيه أساساً، لتشكل بين الضرورة والأساس، حالة من العبث الساعي بالانطلاق خارج الواقع، والترحال عبر ما يمكن أن يكون أفضل أو على الأقل أصدق.