منذ تعرفت عليه، أواخر ستينات القرن الماضي، اثناء الاضراب الشهير من اجل اصدار قانون التفرغ، وحتى اليوم، لا يزال الدكتور محمد المجذوب عندي محط احترام وتقدير عميقين. فهو الاستاذ المتفوق في دروسه وابحاثه، وهو العميد الديمقراطي الذي يحترم عمل المؤسسات، وهو الرئيس الذي يعلي سلطة القانون، ويمارس القيادة الجماعية، ويحرص على حماية استقلالية الجامعة في اطار الحقوق والواجبات والشفافية والمساءَلة المرتبطة بهذه الاستقلالية.
بينما كان غيره يدعو لمقاطعة رابطة الأساتذة، بادر هو وامّن للرابطة مقراً، مجهزاً، ورصد في موازنة الجامعة مبلغاً لدعم هذه المؤسسة النقابية.
انه، في مسيرته الاكاديمية، وفي ممارسته المسؤوليات الادارية، من رعيل الكبار الذين بنوا مجد الجامعة اللبنانية مع ادمون نعيم وحسن مشرفية وجبور عبد النور وصادر يونس ونزار الزين وغيرهم الكثر.
واني اعرف جيداً مدى المه عندما يلاحظ ما حل بهذه المؤسسة خاصة في العقد الاخير من السنوات وكيف يعبث فيها البعض فساداً ونهباً وتزويراً وخروجاً على القوانين والانظمة التي سهر جيل الكبار على هندستها من اجل تحقيق جودة التعليم.
واني اعرف جيداً مدى المه عندما وضعت كتبه واوراقه وملفاته على الارض في اليوم التالي لانتهاء عمادته لكلية الحقوق، وكذلك مفاجأته بالفيتو الذي وضع على دخول ابنه الدكتور طارق الى كلية الحقوق، بدلاً من تسليمه في الجامعة رئاسة مركز ابحاث يجب ان يستحدث في موضوع المياه والقانون الدولي، لأنه من ارصن الباحثين الاكاديميين الذين درسوا هذا الموضوع. لكنه مع تحوله نحو القضاء برهن هو الآخر انه من معدن الكبار كوالده على اصعدة العلم والوطنية والاخلاق.
ومن مميزات الدكتور مجذوب التواضع الجم والدماثة المرهفة ومحبة الحوار، تلفّه دائماً ابتسامة مشرقة تعطي الامل بالمستقبل. هو من القلائل الذين يتصفون بالموضوعية ويبتعدون عن التحزب السياسي والفئوي، ويعطي طلابه المثل الصالح في التجرد والنزاهة والشجاعة في قول الحق ويغرس في نفوسهم فضيلة الوطنية والتسامح والابتعاد عن الطائفية.
والدكتور محمد المجذوب هو من المفكرين القلائل الذين عرفوا بعمق معاني التلاقي بين اللبنانية والعروبة. فالعروبة، بحسب رأيه، يجب ان تخلو من آفاق التعصب والعصبية. والكلمة الحرة التي كانت السمة البارزة للوجود اللبناني. هي التي دفعت الانظمة المستبدة الحاقدة الى تقويض صرح هذا الوجود. فلبنان كان في محيط عربي رازح تحت نير ملكيات وديكتاتوريات من القرون الوسطى، مرآة الكلمة الحرة التي استطاعت على الرغم من الهفوات والشوائب ان تنبه الرأي العربي الى ما يتهدده من اخطار داخلية وخارجية. ويربط استاذنا بين اللبنانية والعروبة بنسيج التاريخ من جهة وبمشروع العلمانية والحرية والديمقراطية من جهة أخرى، وهذا الطرح يلاقي الارتياح من كل حريص على مستقبل لبنان ومستقبل العرب على حد سواء. سيما في هذه الايام السوداوية في داعشيتها وفي دموية عدوان اسرائيل على اطفال ونساء غزّة. وفي ظل المخططات الخطيرة لتفتيت وصوملة المنطقة.
ورئيسنا د. مجذوب اعتبر قضية الدفاع عن حقوق الانسان في لبنان والعالم العربي قضية مركزية في ابحاثه ومواقفه. وقد عكف على تراث الاسلام وعلى الدين والشريعة والسنة يحلل ويقارن ويستنبط الحجج الدامغة خالصاً الى ان مضمون الاسلام كدين وقواعد الشريعة كنهج حياتي لا يختلف عن النظريات والاتجاهات الجديدة التي نجدها في «الاعلان العالمي لحقوق الانسان» وفي غيره من المواثيق التي تعالج موضوع حقوق الانسان. وهو في موقفه المتنوّر هذا يواجه الطروحات الاصولية الماضوية الرافضة كل قراءة جديدة للنص الديني او للتراث على ضوء تحديات العصر.
ان ابحاث الدكتور المجذوب وامثاله هي الرد العميق على طروحات التيارات الداعشية الخطيرة على العيش المشترك في عالمنا العربي في المرحلة الحاضرة.
واستاذنا الدكتور مجذوب صاحب فكر اصلاحي متنوّر ومن اعمق الناقدين الذين درسوا الحركة الصهيونية موضحاً الحق العربي مستنداً على اعمق النظريات في القانون الدولي. ولا مغالاة اذا قلنا ان دراساته هي السند الاكثر عمقاً والاكثر تماسكاً وتكاملاً بين كل العمارات القانونية التي اهتمت بمسألة فضح اطماع اسرائيل وتفنيدها والرد عليها بالمنطق العلمي القانوني بعيداً عن الانفعال.
في هذا الافطار الذي نظمته دار الندوة لتكريمك مشكورة اسمح لنا ان نقول: اطال الله بعمرك واعطاك الصحة والعافية لتستمر في عطائك. بمثل علمك واخلاقك ووطنيتك تتقدم الجامعات والاوطان.

[ الكلمة التي ألقاها في مناسبة تكريم د. محمد المجذوب في دار الندوة.