عرفتها عن بعد. إذ كانت محاطة بسياج من الرهبة، ومحيطة نفسها لنفسها بسياج من الاحترام كانت تستحقه. لكن في الوقت عينه كتمت صمتها. وهي بوفاتها عن عُمر 92 سنة منذ أيام عدة (حضرت مع أخي علي جناز دفنها في حصرايل)، وكان وضعها الصحي مقبولاً مع بعض الأوجاع وحالة «رشح» عادية؛ تكون الراحلة فرجيني الحلو أرملة الشهيد القائد فرج الله الحلو قد أخذت سرها لا بل أسرارها معها!
أول مرة سمعت صوتها ورأيت جانباً من وجهها حين كانت تقف خلف منصة عليها الكثير من المكروفونات الكبيرة الحجم، ما جعل أسفل وجهها يختفي وراءها، وذلك في قاعة الاحتفال الكبرى للمؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني عام 1972 في أوتيل الكارلتون الروشة، وكان عمري خمسة عشرة سنة (وقد كتبت تفاصيل مُضحكة وحزينة جداً عن تلك الفترة في كتابي الثالث «عُمر الولدنة» دار مختارات كانون الثاني 2011).
أذكر أنه في آخر كلمتها الحماسية والتي ألهبت الصالة بالتصفيق عندما كررت للمرة الثانية أو الثالثة إصرارها على متابعة النضال وهي وبناتها على خطى فرج الله الحلو من أجل حكم وطني ديموقراطي في لبنان. وحين أعادت بعد التصفيق كلمة: «أنا وبناتي»، إلتفت نحوها وتحركت قليلاً بمكاني وأنا أقف بجانب المنصة الرئيسة للمؤتمر، فرأيت أعلى وجهها ويديها يرتفعان عالياً من خلف المكروفونات، وكان لتلك العبارة «أنا وبناتي» وقعٌ فيه الكثير من الاستغراب والاندهاش، وحتى «عدم الفهم» والحيرة في آن، بنظر الطفل الذي كنته.
بعد ثلاثين سنة، أي في عام 2002، تعرّفت عليها وجهاً لوجه وسلّمت عليها وعلى ابنتها الوسطى الدكتورة نجوى وضحكنا وتمالحنا (خبز وملح)، وذلك عبر ابنتها الصغرى ندى، بمناسبة كتابتي لمسرحية عن زوجها فرج الله الحلو (قُتل تحت التعذيب وذوّب جسده بالأسيد في سوريا عام 1959). رحّبت بي ضاحكة ومعتذرة لإصابتها بالرشح ولأنها ليست على ما يُرام للكلام. وحين طلبت منها في المرة الثانية أو الثالثة بشيء من الجدية بأن تخبرني عن أحداث ومواقف وذكريات خاصة تتعلق بحياة فرج الله، ابتسمت ببطء ملحوظ وقالت لي مع ضحكة قصيرة ومفاجأة: «أنت بتكتب حلو. وبتمنى تنجح مسرحيتك». وسكتت. وكذلك أنا فعلت، إذ كنت قد شعرت بأن ما قالته أم بشرى هو كلمة لا بد منها في بداية الحديث، لذا بدا استمرار سكوتي ساذجاً حين انتبهت بعد لحظات بأن ما قالته لي فرجيني كان جوابها. وبعد لحظة قالت بشيء من الجدّ بأنها لا تريد أن تحكي في قضية فرج الله!
وبعد فترة قصيرة، كتبت المسرحية وهي ما زالت مخطوطة. كما ورفضت كذلك أن تملي عليّ قصة حياتها كي أكتبها عنها!
رحلت فرجيني فرج الله الحلو بعد 55 سنة على رحيل اختفاء زوجها الذي أحب لبنان وسوريا وفلسطين.