ما هي أسباب الأزمة اللبنانية التي امتدت على مر تاريخه الحديث ولم تنته بعد؟ اين اصبحت ايديولوجية العيش المشترك اليوم؟ ما مفهوم الخصوصية اللبنانية والوطنية ودورهما في صيغة العيش المشترك؟ ألم يحن الوقت بعد لقيام نظام سياسي علماني أو نظام متطور مبني على تركيبة المجتمع اللبناني وليس منزلاً عليه؟... هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها كتاب «الجذور الثقافية للحروب اللبنانية» من تأليف الأب كميل مبارك (نائب رئيس جامعة الحكمة وعميد كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية فيها)، والدكتور جان بولس (دكتور في الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي).
مهما تعددت الأسباب الاقليمية للأزمة اللبنانية، ومهما كانت التدخلات الخارجية فعّالة في تحريكها، لا بد من الاعتراف بأن اعتلال بنيتنا الداخلية من أسباب مأساتنا اللبنانية، كون شعبنا، كما أثبتت الأحداث، يفتقد الى العوامل الجوهرية لتماسكه الوطني. من هذه الفكرة ينطلق المؤلفان للبحث في الطروحات والمفاهيم العقائدية الايمانية وفي التناقض الايديولوجي بين المجموعات الطائفية في لبنان الذي غذّى بتعقيداته الحروب في لبنان وصولاً الى الأحداث الأخيرة التي لم تنته بعد.
يقسم الكتاب الى اقسام ثلاثة: ايديولوجية الصراع العقائدي في المجتمع اللبناني، ايديولوجية الصراع الحضاري ـ الثقافي، ايديولوجية الصراع السياسي.
يتضمن القسم الأول فصولاً ثلاثة: خصوصية المجتمع اللبناني ودور الطوائف فيه ومكوناته وموقف المسيحيين والمسلمين من الذات اللبنانية. فالمسيحيون ينادون بمجتمع حر تعددي مسالم لأنه ارقى في نظرهم في التفاعل من المجتمع الوحدوي المتجانس، لأن الاختلاف في التعددية من جوهر الانسان والمجتمعات، في حين يعتبر الاسلام ان الايديولوجية السياسية التعددية التي تنظر الى الطوائف اللبنانية نظرتها الى شعوب أو مجتمعات سياسية متباينة الأصول والثقافات هي عقيدة مصطنعة لا تستند على أي أساس علمي أو واقعي.
«المسيحية تفصل بين الدين والدولة» عنوان الفصل الثاني الذي يتوقف عند النظريات السياسية في المجتمعات المسيحية لا سيما مفهوم الدولة، السلطة ومصدرها، نظريات فلسفية حول مصدر السلطة، نظرية العقد الاجتماعي بين الاتفاق الشكلي والاختلاف الجوهري.
«الاسلام يوحّد بين الدين والدولة» عنوان الفصل الثالث الذي يتناول محاور ثلاثة: المبادئ العامة لتنظيم الدولة الاسلامية ابتداء من مفهوم السلطة ومصدرها في الاسلام وصولاً الى النظم السياسية في الاسلام وأسس المجتمع الاسلامي وطبقاته وانتهاء بالخلافة في الدولة الاسلامية، الممارسة السياسية في الاسلام اللبناني.
«السمات الأساسية في الصراع اللبناني» عنوان الفصل الرابع الذي يتناول جوهر العودة الى الأصول في الاسلام عامة، واللبناني خاصة، اسلامية الاسلام والتحدي الحضاري، المسيحية والكيان السياسي.
يتمحور القسم الثاني من الكتاب حول الصراع على الحضارة في لبنان وموقف المسيحيين والمسلمين منه، يبدو جلياً في الفكر السياسي وفي الخلاف حول المناهج التربوية. يرى المؤلفان في هذا السياق ان الاختلاف حول أبعاد الحضارة اللبنانية ومنابعها والتاريخ اللبناني ومكوناته هو اختلاف موضوعي حول ماهية لبنان بين المسلمين والمسيحيين. يؤمن المسيحيون بلبنان الوطن الدائم الكامل بذاته غير المنعوت بسواه ولا المضاف الى غيره، حر في توجهه السياسي، في حين يعتبر المسلمون لا سيما السنة أن لبنان جزء من العالم العربي، منه أخذ ثقافته وحضارته وإليه يجب أن يرجع في كل قضاياه.
في الفصل الثالث من هذا القسم، يتوقف المؤلفان حول الصراع على الهوية اللبنانية ويعتبران ان الميثاق الوطني عام 1943 الذي نعت فيه لبنان بالوجه العربي حمل أسباب تفجيره بنفسه. من هنا يرى المؤلفان ان هنالك مخرجاً واحداً لأزمة الصراع حول الهوية، هو البحث عن نظام سياسي يجمع ولا يفرق، يقبل بالتعددية ويقبل الآخر وقد يكون الدولة الاتحادية العلمانية بقدر ما يراها اللبنانيون متوافقة مع واقعهم، باعتبار لبنان دولة تعددية مستقلة لها خصوصياتها المجتمعية.
يتناول القسم الثالث من الكتاب، «ايديولوجية الصراع السياسي». الصراع حول الطائفية السياسية وحول النظام السياسي للبنان المستقل. ضمن هذا الاطار يتناول المؤلفان مسألة الاصلاح والمشاركة في السلطة من خلال الصراع حول مفهوم الاصلاح السياسي ومفهوم الطائفية السياسية، كذلك يتناولان الصراع حول الغاء الطائفية السياسية وموقف المسيحيين والمسلمين منها والقيمة الوضعية لإلغاء الطائفية السياسية.
يتوقف المؤلفان عند دور القوى الخارجية في الأزمة اللبنانية، لا سيما التدخل الفلسطيني والسوري والاسرائيلي والايراني والسعودي والأميركي. أما في ما يتعلق بدور الوجود الفلسطيني في الأزمة اللبنانية فيعود المؤلفان الى مرحلة اللجوء السكاني وموقف البطريركية المارونية في تلك المرحلة والمواقف الرسمية والفكرية والسياسية، وحيثيات تلك المرحلة وتأثيرها وصولاً الى مرحلة الوجود الفلسطيني المسلح ودور الفلسطينيين والمتغيرات السياسية والاجتماعية وموقف المسيحيين واليسار المسلم من المتغير الفلسطيني وموقف الدولة من المتغير الفلسطيني، بالاضافة الى اتفاقية القاهرة ونتائج الدور الفلسطيني في الأزمة على المستويين الداخلي والخارجي وخلفيات الدور العربي ودعمه للوجود الفلسطيني المسلح على ارض لبنان.
يختم المؤلفان بحثهما بسلسلة من الاستنتاجات التي توصلا اليها من خلال تعمقهما في تاريخية الصراع اللبناني ـ اللبناني، أبرزها، ضرورة وضع صيغة لنظام سياسي جديد تسعى الى تطوير المواطنية اللبنانية في اتجاه المساواة والعدل وتكافؤ الفرص في ظل نظام علماني شامل أو في ظل نظام اتحادي محايد.