قال السيد حسن نصرالله انه يريد ان ينقذ البلاد من "القتلة" وهو يقصد الفريق السياسي الذي يخالفة الرأي في سياساته والوجهة التي يريد ان يأخذ لبنان اليها. وهو حين يتهم الآخرين بالقتل فإنه بطبيعة الحال يرفع عن فريقه السياسي وحزبه هذ التهمة، وهذا نتيجة سنوات طويلة من تنظيف السجلات التي ساهم فيها الذين يتهمهم اليوم، وتم التنظيف (العمومي) خلال سنوات السلم التي لحقت اتفاق الطائف والتي تم فيها دعم حزب الله كحزب للمقاومة يهدف الى تحرير الاراضي اللبنانية. ولكن اهم ما في الامر ان تنظيف سجلات حزب الله قد حقق نتائجه حتى صدّق الحزب قبل غيره هذه "الفضيلة" ـ اي انه لم يتلوث بالدماء المهروقة في معارك الحروب الاهلية اللبنانية ـ ولكن اعادة النبش في سيرة حزب الله السياسية يثبت غير ذلك تماما. فحزب الله الذي نشأ عام 1982 بعدما سمحت سورية لحراس الثورة الايرانية بالدخول الى البقاع للمشاركة في القتال ضد الاجتياح الاسرائيلي لم يقتصر دوره على هذا الامر، فسرعان ما بدأ الحزب بتأسيس الجمعيات والمؤسسات الايرانية في لبنان من مثل "جهاد البناء" ومؤسسة الشهيد، وعمل على استقطاب الجماعات الشيعية المؤيدة لحركة امل وتلك التي كانت خارج الاطار السياسي للطائفة، وكان الوقت حينذاك يؤشر الى دخول المد الايراني الشيعي الى لبنان بواسطة مجموعات مختلفة حملت اسماء متنوعة منها "الجهاد الاسلامي" ومنها "امل الاسلامية" والتي انشقت عن حركة امل وغيرها من الاسماء وكان يجمع بينها عاملان مشتركان: الاول "اقامة جمهورية لبنانية اسلامية" والثاني تأثير الحكومة الايرانية القوي جدا عليها.
وبعد صعود حزب الله ومشاركته في العمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي برز الخلاف بينه وبين الحزب الشيعي اللبناني النافذ حينذاك اي "حركة امل"، فهذه الحركة التي كانت على خلاف حاد مع احزاب اليسار التي استقطبت عددا كبيرا من الشبان الشيعة، جاءتها المنافسة هذه المرة من اليمين الشيعي الراديكالي والمولود من رحم الثورة الايرانية. وكان الخلاف الاول له علاقة برؤية كلا الجماعتين للمعركة مع اسرائيل، فحركة امل نفذت حربا طويلة ضد الفلسطينيين بسبب نشاطهم العسكري في جنوب لبنان والذي كان يؤدي غالبا الى رد اسرائيلي ساحق على الجنوب واهله، ولكن حزب الله منذ صعوده كان قد اعلن الحرب ضد اسرائيل حتى تحرير القدس.
وبرز التنافس بين الحركتين على صعيد تجنيد المقاتلين، فحزب الله كان يتلقى كل انواع الدعم من ايران، وكان يدفع اجورا عالية لمقاتليه مكنته من اجتذاب عناصر من حركة امل الذي وصفته قيادتها بحزب "البترو­ دولار". عليه بدأت المعارك بين التنظيمين في ايلول 1987 في الجنوب، امتدت من صور جنوبا حتى اقليم التفاح وشرق صيدا في نيسان عام 1988. وكانت المعارك تمر في خطوط بين العائلات نفسها التي انتمى ابناؤها الى كلا الحزبين، وقد ادت الى وقوع عدد كبير من القتلى في صفوف التنظيمين. جاءت نتائج الجولة الاولى من المعارك لصالح حركة امل التي وصفها رئيسها بالانتصار ضد "الراديكالية والخطف والارهاب". بعد اسبوعين من بدء المواجهات سيطر حزب الله على 80 في المئة من الضاحية، ثم انحصرت سيطرة حركة امل على منطقة الشياح. ووقع في معارك الضاحية بحسب تقارير قوى الامن حوالي خمسمئة قتيل، وكانت جريدة الحياة قد ذكرت في 14 حزيران من عام 1990 ان ضحايا معارك حركة امل وحزب الله في السنوات الثلاث السابقة على ذلك التاريخ (معارك الجنوب واقليم التفاح والضاحية) بلغت 2500 قتيل بينهم خمسة الآف جريح جلهم من حركة امل. والمعارك التي تم احصاؤها بين الفصيلين الشيعيين لم تكن تقتصر على القتال بين المسلحين بل هي اصابت المواطنين في صميم حياتهم الاجتماعية خصوصا في البلدات التي انقسم اهلها في الولاء للتنظيمين، وفي العائلات التي انتسب ابناؤها اليهما، فزاد الشرخ الاجتماعي وانتشر الحقد بين الاهالي وساءت احوالهم الاقتصادية بطبيعة الحال واشتدت القبضة الامنية والعسكرية للحزبين في المناطق التي يسيطران عليها.
هذه عينة صغيرة من دور حزب الله في الحرب الاهلية اللبنانية، من دون الحاجة الى الكلام على دوره السياسي في الداخل اللبناني خلال عهود الوصاية السورية واهمية هذا الدور في تكريسها وتكريس استبعاد جزء من اللبنانيين عن المشاركة في الحكم، ومن دون الاتيان على الكلام في دور حزب الله في السياسة اللبنانية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مرورا بحرب تموز ونتائجها على لبنان واللبنانيين ومنهم اهالي الجنوب خصوصا. لذا يجب التوقف عن اشاعة ما هو غير صحيح من ان الحزب منذ تأسيسه هو حزب "مقاومة"، ولم يلوث يديه في الحرب الداخلية، ويجب ان يتوقف قادته عن اتهام الآخرين بالقتل معفين انفسهم من هذه التهمة.