تقدمت شركة المحاماة الأميركية "أوسي أل أل سي" بدعوى باسم 400 عائلة أميركية من ذوي جنود أميركيين قتلوا أو جرحوا في العراق بين عامي 2004 و2011 ضد 11 مصارفا لبنانيا مدعية أنها سهلت أعمالا لصالح "حزب الله".

ورفعت الدعوى أمام محكمة مدنية في نيويورك في الأول من الشهر الجاري، ولم تحدد المحكمة حتى الآن موعد بدء المحاكمة التي توقع المحامي وليام فريدمان الذي يعمل في الشركة في مقابلة مع "قناة الحرة" أن تستغرق سنوات، لكنه أكد عزم شركة المحاماة التي يعمل لصالحها المضي في القضية إلى النهاية وبأقصى إمكاناتها، وأشار إلى أنها الأولى من نوعها التي تقام تحت قانون مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة.

ويعرض موقع الحرة في ملف من ثلاثة أجزاء تفاصيل أساسية من هذه الدعوى.

يقدم الجزء الأول عرضا لطبيعة الدعوى والجهات المدعى عليها ولسياق النقاش اللبناني في موضوع علاقة حزب الله بالقطاع المصرفي في لبنان. أما الجزء الثاني، فيعرض تفاصيل ادعاء الجهة المتقدمة بالدعوى بحق كلٍّ من المصارف المدعى عليها. ويتناول الجزء الثالث الخلاصات التي خرجت بها الدعوى فيما يتعلق بآليات عمل حزب الله المالية وارتباطاته بكارتيلات المخدرات.

يواجه 11 مصرفا لبنانيا، دعوى قضائية في الولايات المتحدة الأميركية. الخبر ليس تفصيلا، إذا إن من يعرف طبيعة النظام المصرفي اللبناني يُدرك أن ارتباطه بالنظام المصرفي الأميركي أكثر من ضروري، ويشبه ارتباط السمك بالماء.

ما إن يقرأ المرء طبيعة الدعوى، والمصارف المُدعى عليها، حتى يأخذ نفسا عميقا، ويسأل: ما الآثار التي ستحملها هذه الدعوى وتداعياتها على الاقتصاد اللبناني (الذي يقف على حافة الانهيار)، وعلى قطاع المصارف، الذي يسوّق سياسيون لبنانيون أنه شبكة الخلاص الأخيرة للبلد الصغير؟

ما هي طبيعة الدعوى؟

تقدمت المئات من عائلات الجنود الأميركيين الذي قتلوا أو جرحوا في العراق، بدعوى على المصارف اللبنانية بتهمة تقديم دعم وتسهيلات لمنظمة إرهابية (حزب الله)، وأخذت هذه المساعدات شكل خدمات مالية ومصرفية، وتضمّنت قدرة الولوج إلى النظام المصرفي الأميركي، عبر علاقة المتهمين بالمصارف المراسلة في نيويورك.ويقول المدعون إن المصارف اللبنانية المعنية بالدعوى، "كانت ولا تزال على علم" بدورها الحيوي في مساعدة "حزب الله" في أعماله "غير الشرعية، والتي تتضمن تبييض الأموال (من خلال نقل الأموال عبر الحدود أو عبر الحوالات الإلكترونية ونقل كميات كبيرة من أوراق العملات)، والتحايل على العقوبات الأميركية، وتجاوز القوانين المتعلقة بتجارة الأسلحة، والاتجار بالمخدرات، والخطف مقابل فدية، وتمويل الإرهاب". وتتهم الدعوى المصارف اللبنانية بمساعدة "حزب الله" في الولوج إلى النظام المصرفي الأميركي.

المدعى عليهم

تشمل القضية المصارف اللبنانية التالية: فرنسبنك، سوسييتيه جنرال، بنك الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بنك لبنان والمهجر، بنك بيبلوس، بنك عودة، بنك بيروت، بنك لبنان والخليج، البنك اللبناني الفرنسي، وبنك بيروت والبلاد العربية، جمال تراست بنك.

المتابع لتطور النظام المصرفي اللبناني، يدرك أن هذه المصارف هي من الأكبر في البلاد. بلغت أرباح المصارف الكبرى في لبنان (تعرف بمصارف ألفا)، مليارا و870 مليون دولار أميركي عن عام 2014، بزيادة بلغت 9.1 في المئة عن عام 2013. علما أن النمو الاقتصادي للبنان عام 2014 بلغ 1.75 في المئة بحسب البنك الدولي.

"حزب الله" والقطاع المصرفي

في مطلع العام ٢٠١٦، أصدرت السلطات الأميركية المراسيم التطبيقية للقانون الأميركي لمكافحة ومنع تمويل "حزب الله"، وحددت الجهات التي يشملها القانون بالتالي: "حزب الله" كمنظمة، الأفراد والشركات والممتلكات التي وضعت على لوائح العقوبات الأميركية والدوليّة".

في حزيران/يونيو ٢٠١٦ قال الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله: "أنا قلت نحن لا يوجد عندنا مشاريع تجارية ولا عندنا مؤسسات استثمارية تعمل من خلال البنوك، حتى إذا عطلتموها ينكسر ضهرنا، أصلاً ليس عندنا، نحن وعلى المكشوف ويمكن هكذا في العالم كله لا يوجد، أنه واحد يطلع علناً وبشكل شفاف وصادق، ويقول للعالم كلها: نحن يا خيي على رأس السطح موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران، تمام؟".

"لا علاقة لأحد بهذا الموضوع، طالما يوجد في إيران "فلوس" يعني نحن لدينا "فلوس"، هل تريدون شفافية أكثر من هذا، ومالنا المقرر لنا يصل إلينا، وليس عن طريق المصارف، وكما تصل إلينا صواريخنا التي نهدد بها إسرائيل يصل إلينا مالنا، ولا يستطيع أي قانون أن يمنع وصول هذا المال إلينا".

كرر نصرالله مرارا زعمه بعدم وجود أي حسابات مالية لـ"حزب الله" وأعضائه في المصارف اللبنانية؛ لكن الدعوى المقدمة تزعم غير ذلك، وهذا ما سيتم تفصيله لاحقا.

بدأت قضية اتهام المصارف اللبنانية بالعمل لصالح حزب الله، مع البنك اللبناني الكندي الذي جرت تصفيته بعد ذلك. ويذكر ادعاء نصرالله، بادعاء شبيه لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي أعلن كان قد في بيان في مطلع العام ٢٠١١، أن "البنك اللبناني ــ الكندي يلتزم القوانين اللبنانية والمعايير الدولية والتعاميم الصادرة عن مصرف لبنان والهيئة الخاصة بمكافحة تبييض الأموال (...) وهو حائز على دعم مصرف لبنان المطلق، ونودّ التأكيد للأسواق اللبنانية والمتعاملين مع هذا المصرف، أن عملياتهم معه آمنة".

وبعد أقل من ثلاث سنوات على بيان سلامة (في يونيو/حزيران 2013)، أعلنت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، ومدعي عام منهاتن في بيان تسوية "الدعوى المدنية بالتزوير وتبييض الأموال التي رفعتها الولايات المتحدة ضد البنك اللبناني ــ الكندي وأصوله". ولفت البيان الأميركي المذكور النظر إلى عملية دولية واسعة، استخدمت خلالها "مؤسسات مالية لبنانية مرتبطة بـ"حزب الله"، بما في ذلك البنك اللبناني ــ الكندي، النظام المالي الأميركي لتبييض أموال الاتجار بالمخدرات وغيرها من العائدات الجرمية عبر غرب إفريقيا ومن ثم إلى لبنان". وقد دفع البنك اللبناني ــ الكندي حينها مبلغ 102 مليون دولار كجزء من التسوية، وتم بيع البنك إلى بنك لبناني آخر هو "سوسييتيه جنرال" وهو من بين المتهمين في هذه الدعوى.

"الإرهاب" يطال المصارف

في حزيران ٢٠١٦، استهدفت عبوة ناسفة المقر الرئيسي لبلوم بنك، وهو المصرف الذي كان متهما بأنه الأكثر رغبة في تطبيق العقوبات الأميركية بحق "حزب الله". اتهم كثيرون في لبنان حينها "حزب الله" بالوقوف خلف هذا التفجير (الذي لم تكشف الأجهزة الأمنية بعد هوية المتورطين فيه، رغم اكتشافها هوية المتورطين في أغلب التفجيرات الإرهابية التي طالت لبنان).

لكن التعبير الأوضح عما جرى حينها، ورد في صحيفة "الأخبار" التابعة لـ"حزب الله"، إذ كتبت بعد التفجير: "بعض المصرفيين اتهم "حزب الله بالتفجير، وبعضهم تحدّث عن طرف ثان، لكن الجميع كانوا متفقين على مضمون الرسالة: لا استقرار بلا ضمانات للشيعة (...) كذلك ثمة نقطة أخرى تتعلق بأن تحترم المصارف كل القوانين المرعية، وعدم المزايدة على القوانين الأميركية التي لا تقول بإقفال حسابات جميع العاملين في مؤسسة قد تكون مدرجة على لوائح المنع الأميركية".

(الحرة)