للمرة الأولى أطأ أرض المملكة العربية السعودية، وفي الرأس هوامات وخيالات من تلك الصور والسمعة التي تراكمت عن المملكة وأرضها وشعبها. وأول ما سعيت إليه أن أطابق بين الموروث المتراكم في الذاكرة، والمشاهدات العينية عن شعب لطالما قيل عنه إنه صلب لا يستسيغ الابتسام ويرتاب من الضيوف ويهوى العيش في عزلة عن الخارج كي لا يصاب بلوثة هذا الخارج. شعب يستكين إلى ماضيه ويغرق في العيش فيه ولا يهوى التطلع إلى الغد إلا من خلال الماضي.

كانت الدعوة من سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري، فالتجمع في مطار رفيق الحريري الدولي، ثم الوصول إلى مطار العلا الداخلي، حسب ما قيل لنا، والمرشح ليصبح مطاراً دولياً بعد أن تجهز عملية تأهيل المناطق السياحية وتصبح متاحة لاستقبال الزوار والسياح من كل العالم. أرض العلا زراعية وفيها فصول أربعة، حسب ما أخبرنا السائق، الذي أكمل دراسته الجامعية ويتقن الإنكليزية، وفيها زراعة البرتقال إلى ثلاثة ملايين شجرة نخيل، ومكتفية ذاتياً وتصدر انتاجها الزراعي إلى سائر أنحاء المملكة، ويبلغ عدد سكانها 42 ألف نسمة.

اللافت كان حسن التنظيم ودقته والتعاطي المهني مع الزوار والضيوف، فكل التفاصيل تمت مراعاتها بعناية ودقة واتقان، وببسمة لم تفارق وجوه المستقبلين، «نورتونا»، «نتمنى لكم طيب الإقامة». وسوى ذلك من عبارات الترحيب اللطيفة والودودة.

من مطار «العلا» إلى محطة القطار التي أنشأها السلطان عبد الحميد لتربط اسطنبول بالمدينة المنورة، دليل سياحي يشرح لنا مراحل البناء، ولورانس العرب، وهندسة المحطة بأقسامها المختلفة التي تم ترميمها لتصبح معلماً سياحياً، يشهد على حقبة تاريخية استمرت أربعة قرون من الانتداب العثماني لبلاد العرب. ومن المحطة إلى «مدائن صالح»، حيث الطبيعة البكر باهرة وساحرة، طبيعة لم تعبث بها يد الإنسان بعد، فالمعالم السياحية على ما هي نقوش وحفريات في الصخور، حفرتها حضارة الأنباط التي اشتهرت بهندسة قنوات المياه والزراعة والقبور التي تحاكي في إتقان حفرها ومساحاتها الواسعة وعظمتها الاهتمام بالحياة ما بعد الموت. كيفما التفت يميناً أو يساراً وأنت تتجول في «مدائن صالح» تطالعك صخور شاهقة منها ما أنجز حفره ومنها ما لم يتح لعمال الحفر استكمال أعمالهم فيه، وقلما نجت صخرة من إزميل حفار على طول المساحة التي عبرناها نحو «القصر الفريد».

من «القصر الفريد» إلى منطقة المنتجعات، حيث تطالعك عن بعد «خيم» هي أشبه بـ«مضارب الأيام الغابرة»، وفيها حرص على الحفاظ على بيئة تلك المنطقة الصحراوية، وطبيعة عيش أهلها، فلا أبراج ولا بنايات شاهقة، بل «مضارب» من الخارج، وفي داخلها مطابخ عصرية ومضيفون ومضيفات من جنسيات مختلطة من المملكة العربية السعودية ومن لبنان ومصر والهند.

إلى الحفل الفني الذي أقيم في بناء من المرايا في استدراج للعبة الانعكاسات الضوئية للمشاهد الطبيعية التي تحيط بالمكان، حيث أيضاً الاهتمام بالتفاصيل على دقتها، وحرص على راحة الزوّار، وهم بالمناسبة قاربوا الخمسمئة مشارك في الحفل، حيث أطلت السيدة ماجدة الرومي لتغني ما اشتهر من أغانيها في السلام والحب. وفي المسرح أيضاً إعلانات لحفلات موسيقية وغنائية تمتد حتى الأسبوع الأول من شهر شباط المقبل لفرق موسيقية متنوعة.

وأنت في «العلا» تستحضر ثقافة الحياة، فالوجوه مبتسمة، والأهل على كثير من الود، وحسن الترحاب، لكأنهم يستقبلون السواح منذ سنوات وسنوات، والطبيعة أخاذة، والمنشآت صديقة للبيئة، ويخبرك من يرافقك أن المنطقة قيد التجهيز لتصبح خلال سنتين على أبعد تقدير قادرة على استيعاب المزيد من السواح، فلا تختلف «العلا» عن أي مرفق سياحي، عالمي بمواصفات خمس نجوم وأكثر.

في «العلا» معالم سياحية ومسرح عالمي بتجهيزات عالية الجودة ولا ينقصها شيء لتكون على لائحة المعالم السياحية في المنافسة العالمية لاستقطاب السياح من كل أنحاء العالم، ولو يقيّض للقيمين على هذه الأرض السياحية إنشاء استوديوهات تصوير لأمكن الإفادة في تصوير أفلام فريدة تستفيد من سحر الطبيعة وعراقة المكان.

في «العلا» نظرة متفائلة إلى المستقبل، لا تشوّه الماضي، ولا تغرق فيه، بل إن العمل جار على تجهيز المكان وتحديث بناه التحتية ليصبح معلماً ثقافياً وحضارياً للمستقبل الآتي.