يرحّل العام الحالي، في السياسة وبما يتعداها الى مختلف أوجه الحياة اللبنانية، كل مآزقه الى العام الجديد. بعد سبعة أشهر على إتمام استحقاق انتخابي، لا تزال محاولات تجاوز العراقيل وتشكيل حكومة تتعثر. لم يعد بالإمكان اختزال المشكلة في وجه واحد لها، لكن ليس من الممكن ابداً مساواة كل العناصر بعضها ببعض.

فالبلد يعاني من اللاتوازن المتأتّي من الاختلاف في طبيعة القوى المشاركة في حياته السياسية، والمشاركة والممارسة ضمن مؤسساته الدستورية، ولا يمكن ابداً المكابرة على هذه النقطة، نقطة امتلاك فريق بعينه للسلاح، خارج نطاق مرجعية الدولة، وأثرها، مثلما لا يمكن الاختباء وراء هذه النقطة لتقليل فداحة المشكلات الاخرى، وليس اقلّها الإعراض المتزايد عن المنظار الدستوري في وزن الأمور، وفي البحث عن علاجات ومخارج لها، بحيث باتت المشكلة مضاعفة، "انعدام توازن" من ناحية، عمقه الرئيسي هو موضوع السلاح، والبحث عن "توازن مطلق" على قاعدة لا دستورية، بل على قاعدة مناقضة تماماً لكل ألفباء الفصل بين السلطات.

يترافق هذا مع مفارقة اساسية، وهو ان المؤسسات الدستورية تعطَّل، مرة البرلمان ومرة الحكومة ومرة يشغر كرسي الرئاسة، لكن الدولة، الدولة كجهاز وكمنظومة ادارية وكجيش من الموظفين، تعمل "بالحد الادنى". والمجتمع ايضاً، يتدبّر أموره، مرة من دون رئيس ومرة من دون حكومة غير تلك التي تصرّف الأعمال، أيضاً "بالحد الأدنى". والاقتصاد كذلك الامر، لا يعيش فترة انتعاش طبعاً، بل تتفاقم مشكلاته وتناقضاته، لكن أزمته لا تأخذ منحى "انهيارياً" حتى الآن، هذا على الرغم من شيوع هذا الخوف من الانهيار بأشكال مختلفة.

لكن لكل هذا كلفته بالنتيجة، وكلفته باهظة. ضمور في أساسات العقد الاجتماعي، ابتعاد متزايد بين مشاغل الناس اليومية وبين تجاذبات وسجالات الساسة، الى درجة لم تعد حتى السجالات تجذب اهتمام الجمهور كما في السابق، الى درجة ان مسحة من الكآبة والحزن تطبع البلد أكثر فأكثر، رغم انه يبدي مناعة استثنائية، نظراً إلى كل ما يكابده من ظروفه، فيبقى جهاز الدولة فيه يعمل بالحد الادنى، والسوق الذي فيه يعمل بالحد الادنى، في حين تصدع اساسات المجتمع تزداد "من تحت"، وامتناع المنافذ الى التفاوض السياسي يزداد "من فوق". هذا بحد ذاته يوجد في الوقت نفسه ارضية مزدوجة: لتزايد الاحتجاج في المدى المنظور، ولتعطل قنوات التفاوض الاجتماعية الكفيلة بتأطير وتحقيق مرامي الاحتجاج في نفس الوقت.

حتى المبادرات السياسية اخذت تحصر وتقزّم في مفهومها، لتعني مبادرة لتدوير الزوايا حول اسم مرشح ان يوزّر، او لأن يحل عقدة تشكيل الحكومة، او ان يضاعف هذه العقدة. السياسة من حيث هي مشاركة الناس في تقرير حاضرها ومستقبلها تبدو في خارج أي حساب أو مبادرة.

البلد ليس جزيرة. حال الكبوة التي أعقبت انهيار الربيع التحرري للشعوب العربية هو معطى اقليمي شامل. ازمة التوسع الديموقراطي هي ايضاً اليوم عالمية وشاملة. التأمل في كل هذه الهزائم التي مُني بها جيل من الشباب العربي على امتداد عدد من البلدان يدعو إلى الكثير من التشاؤم والقنوط. في الوقت نفسه، فشل جيل الانتفاضات في اجتراح عقد اجتماعي جديد، منبثق من حيثيات واشكاليات كل مجتمع عربي، لا يعني ان ثمة عقداً اجتماعياً بديلاً أو يمكن إحياؤه من فترة "ما قبل الربيع"، وهذا من شأنه أن يُعيد الى التفاؤل مكانته، ولو بكثير من الأسى، وكثير من الحذر.

لا يمكن وضع أقفال على المياه الجارية، لكننا ننتقل من عام مأزقي داخلياً واقليمياً الى عام جديد محاصر بما سبق. بقي إعادة تصويب الأسئلة، وإعادة الاعتبار للسؤال الاساسي: كيف بالمقدور إعادة اقتناع الناس بأن لهم دوراً في السياسة بالنسبة الى تقرير ما يريدونه وما لا يريدون، وما في صالحهم وما ليس في صالحهم، وعلى ماذا ينبغي ان يتفقوا لتحديد قوانين اللعبة، وحول ماذا يمكنهم ان يتمايزوا ويتنافسوا ويتفاعلوا. "العودة الى الناس" لا تُختزل فقط بالعودة الى "شؤونهم الحياتية". هي تتعلّق اساساً، بإعادة السياسة نفسها اليهم، بل إعادة إحيائها في هذا البلد، للسياسة.

فهل يكون عاماً لإحياء السياسة؟

انها لمفارقة ان يسأل هكذا سؤال بالنسبة إلى عام شهد انتخابات نيابية. لكن، اذا كانت عرقلة تشكيل حكومة تعكس "فائض سياسة" في مكان ما، سياسة فائضة على التأطير الدستوري لها، فإن الابتعاد الكبير بين مشكلة عرقلة التشكيل وبين مشاغل الناس، يدل على ان "فائض السياسة" حين يضرب كل مرجعية لدستور، فإنه يُلغي ايضاً جدوى السياسة.