صامت أبداً لكنه إذا نطق سيحكي قصصاً وحكايات تختزنها ذاكرة الحقول وسيفشي أسرار ضحاياه من طيور كاسرة وحيوانات مفترسة وقعت أسيرة الوهم وفريسة الخوف منه حتى أورثته لسلالاتها، وأحالها إلى كائنات أسيرة الوهم الذي نجح المزارع في إقناعها بحقيقته. هو ناطور الحقول وحارسها ورفيق الفصول ومطربها رغم صمته ومن حوله أوركسترا الطبيعة، حنجرته الرياح وصوته ما تحركه الأخيرة من ملابسه ومن أيقاع أوانٍ معدنية تتدلى منه. يبدل ثيابه مرة كل عام أو عامين بقدر ما تصمد تحت وطأة عوامل الطبيعية من حر ومطر وعواصف، تخاله الطيور والحيوانات المغيرة على الحقول الزراعية شخصاً في هيئة إنسان من لحم ودم فتفر فزعاً.

هو شخصية وهمية من صنع الإنسان لكنه موجود، حيلة قديمة قدم البشرية، ارتبطت ولا تزال بتراث المجتمعات الزراعية خصوصاً. حيلة أثبتت على مر الزمان أنها أفضل إجراء أمان لحماية المحاصيل الزراعية من غارات الطيور وهجمات الحيوانات البرية والشاردة، وأنها البديل الأنجع بيئياً للحفاظ على التنوع البيولوجي الذي تُشكل هذه الطيور والحيونات جزءاً منه بدلاً من قتلها أو تحويل الحقول إلى مكامن وأشراك تؤدي لإنقراضها.

رغم تطور أشكال الزراعة وأنماطها ووسائلها وتقنياتها بقي «خيال الصحراء» أو «فزاعة الحقول» صامداً في الأراضي الزراعية محافظاً على حضوره ودوره الذي لا يزال مجدياً في طرد «الغزاة» طيراً كانوا أم وحشاً.

خشبتان تتقاطعان طولاً وعرضاً لتصبحا أشبه بشخص له ساعدان ورأس يغرزه المزارع في حقله ويلبسه بعضاً من ثياب بالية أو قديمة وقبعة. ويضيف إليه أحياناً كثيرة بعض «الاكسسورات» كأن يثبت في أحد طرفيه عصا أو فأس ليبدو وكأنه يحملها ويخيف بها أي غريب أو يعلق برقبته صفائح معدنية من التنك تصدر أصواتاً كلما حركها الهواء.

رغم إدخال بعض التعديلات والتحديث على أشكال وألوان ومكونات «خيال الصحرا» في بعض البلدان المتطورة كإضافة «مرش» مياه عليه أو جعل وجهه يتخذ شكل وجه حيوان أو طائر تخافه باقي الحيوانات والطيور، أو إدخال آلات تُحدث أصواتاً أو تبعث أضواءً لضمان ابتعادها عن الحقل. بعض الطيور التي لا تيأس من محاولات الإغارة على الحقول، حتى إذا ما فقد رادعها ثيابه أو أسلحته بفعل عوامل الطبيعة، تجدها تتجاهل وجوده وكأنها اكتشفت سره فترى بعضها يقف فوق رأسه وكأنها تسخر منه إلى أن يستعيد ما فقده من عدة وهيبة.

في حقله في بلدة دير الزهراني في الجنوب والتي تشتهر بزراعة الخضراوات والبقوليات والحبوب يٌمسك حسين زواوي (70 عاماً) بعدد من «شخوص» خيال الصحراء (الفزاعة) ويُوزعها باتقان على طول وعرض حقله المزروع بالحبوب والخضراوات مانعاً الطيور والحيوانات من خنازير وثعالب وسباع من الاقتراب حيث تُساهم الرياح في تحريك لباس (الفزاعة) لترتفع اليد اليسرى معانقة اليد الأخرى. رغم نحول جسده، لا يزال «العم» زواوي مواظباً على زراعة أرضه وحراثتها وجني محاصيلها معتمداً في ذلك على الطرق والأدوات البدائية التي ورثها عن والده.

يقول زواوي: ليس من السهل أن تتقبل «غزو» مئات الطيور على حقلك، فطائر الغُراب يحب «المئتي» ويعبث بأكواز الذرة وطائر «الدوري» يحب أن يأكل أي نبات ولا يترك له أثراً وهو سريع الحركة وذكي ويعرف متى يغير. وأنا لا أسمح لأحد باستخدام بندقية الصيد في حقلي لقتل الطيور ولا لنصب الشرك والأفخاخ لاصطياد وقتل الخنازير والسباع والثعالب حفاظاً على سلالاتها وعلى الطبيعة التي هي جزء منها.

ويضيف: فالفزاعة أو خيال الصحراء كفيلة بطرد الطيور والحيوانات المتطفلة على الحقل وهي دمية غير مكلفة عبارة عن أخشاب مصلبة ترتدي الثياب البالية أو التي يستغني عنها أصحابها وهي عادة ما تكون متنوعة بين نسائية ورجالية وكأنها تشبه الإنسان وتوضع في أعلاها قبعة لتبدو في هيئة إنسان. ويشير إلى أنه يبدل هذه الثياب مع كل موسم (أي كل سنة) وأن «الفزاعة» لا تُحال على التقاعد مهما تقادم عليها الزمن.

(خاص "المستقبل")