في واحدة من الدعاوى الثلاث التي رفعها بوجه النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود، بتّت محكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي جوزف سماحة وعضوية المستشارين القاضيين فادي العريضي ورولا مسلّم، بردّها شكلاً، الطلب الذي تقدم به وئام وهاب بواسطة وكيله المحامي معن الأسعد نقل الدعوى من يد القاضي حمود إلى محكمة المطبوعات، لعدم قانونيته، معتبرة في حيثيات قرارها أن «لا وجود لدعوى مساقة ضد وهاب يمكن البحث في إمكانية نقلها من مرجع قضائي إلى آخر»، واصفة هذا المطلب بنقل الدعوى «بدون موضوع».

وكان طلب وهاب قد جاء على خلفية استدعائه أمام «شعبة المعلومات» في قوى الأمن الداخلي للتحقيق معه حول الإخبار المقدم من عدد من المحامين ضده بجرم المس بالسلم الأهلي وإثارة النعرات الطائفية، وما استتبع ذلك من رفضه المثول أمام «المعلومات»، التي توجهت إلى بلدته الجاهلية لإحضاره بناء على مذكرة إحضار اصدرها القاضي حمود بهذا الخصوص، في وقت ينتظر أن تبت محكمة التمييز المدنية من جهتها بطلب وهاب «الثاني» تنحية حمود عن النظر في الإخبار، فيما الطلب الثالث رُفع أمام هيئة التفتيش القضائي.

على أن قرار محكمة التمييز الجزائية أمس، قد «يحّرك» الإخبار باستدعاء وهاب مجدداً للتحقيق، في حين برز موقف للقاضي حمود من هذه القضية للمرة الأولى، وذلك في معرض جوابه على طلب وهاب حيث أكد أن «أمر تقدير توقيت وكيفية تنفيذ الأمر القضائي الذي يصدره النائب العام وحجم القوة المكلفة بالتنفيذ يعود للضابطة العدلية وفقاً لمعطيات كل قضية»، ويضيف حمود في رده: «إن التدابير التي اتخذها النائب العام التمييزي في هذه القضية تندرج في صلب مهامه القضائية، وصلاحياته كخصم دائم في الدعوى العامة، وبهذه الصفة، يعود له تقدير مدى جدوى أو فائدة أو ضرورة ملاحقة أي كان بأي جرم، وكذلك تقدير ماهية التدابير المناسبة التي عليه اتخاذها والجهة التي يكلفها بإجراء التحقيق».

وفي خلاصة قرار المحكمة «أن المستدعي قد استند في طلب نقل الدعوى إلى المادة 340 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، واستند استطراداً إلى المواد 94 و112 و116 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وأدلى بالارتياب المشروع في حياد النائب العام لدى محكمة التمييز وبالأسباب التي اعتبرها مبرراً للارتياب».

ويشير القرار إلى أن «المادة 6 من قانون أصول المحاكمات المدنية تنص على أنه تتبع القواعد العامة في أصول المحاكمات المدنية إذا وجد نقص في القوانين والقواعد الإجرائية الأخرى»، «وبما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية قد عالج موضوع نقل الدعوى الجزائية في المادة 340 وما يليها فلا يسوغ الاستناد إلى الأحكام المتعلقة بنقل الدعوى والتي وردت في قانون أصول المحاكمات المدنية، ما يوجب حصر البحث في مدى توافر الشروط التي نصت عليها المادة 340 أصول محاكمات جزائية في الاستدعاء الراهن»، و«بما أن الفقرة الاولى من المادة 340 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنص على أن الغرفة المختصة في محكمة التمييز تتولى تقرير رفع يد مرجع قضائي، في التحقيق أو الحكم، عن الدعوى وتحيلها إلى مرجع آخر من الدرجة نفسها لمتابعة النظر فيها، إما لتعذر تشكيل المرجع المختص أصلاً أو لوقف سير التحقيق أو المحاكمة أو للمحافظة على السلامة العامة أو لداعي الحرص على حسن سير العدالة أو لسبب الارتياب المشروع....في حين تنص الفقرة 2 من المادة 340 أصول محاكمات جزائية على ما مفاده أن للنائب العام التمييزي وحده أن يستدعي نقل الدعوى للمحافظة على السلامة العامة»، «وبما أنه يستفاد مما تقدم بيانه أن المشترع اللبناني لم يجز طلب نقل الدعوى العالقة أمام النيابة العامة، سواء كانت تمييزية أم مالية أم استئنافية، ولا سيما أن النيابة العامة هي خصم دائم وأساسي في الدعوى الجزائية، وأُنيط بها صلاحية تحريك دعوى الحق العام ومتابعتها حتى بتّها بحكم نهائي، فلا يمكن بصورة قانونية أو منطقية تصور إقصائها عن هذه الدعوى.

وبما أنه، «في مطلق الأحوال، يتبين مما عرضه المستدعي من معطيات واقعية ومن جواب النائب العام التمييزي، أن القضية ما زالت في طور التحقيق الأولي بشأن إخبار تقدم به إلى النائب العام التمييزي بعض المحامين ضد المستدعي، ولم يتم حتى تاريخه الإدعاء على هذا الأخير، وبالتالي لا وجود لدعوى مساقة ضده يمكن البحث في إمكانية نقلها من مرجع قضائي إلى آخر، وتأسيساً على ما تقدم بيانه، يكون الاستدعاء الراهن المطالب بنقل الدعوى بدون موضوع، ما يفضي إلى وجوب ردّه شكلاً لعدم قانونيته».

وقررت المحكمة في النهاية، ردّ الاستدعاء شكلاً، وردّ كل ما زاد أو خالف من إدلاءات ومطالب وتدريك المستدعي النفقات القانونية.

أما رد النائب العام التمييزي على هذا الاستدعاء فجاء في خلاصته أن «المادة 340 أصول محاكمات جزائية قد حددت على وجه الحصر المرجع القضائي الممكن نقل الدعوى من أمامه وهو قضاء التحقيق أو الحكم، ولا يجوز التوسع في تفسير هذه المادة لتشمل حالات لم تنص عليها، وهي لم تلحظ إمكانية نقل الدعوى من أمام النيابات العامة كون هذه الأخيرة خصماً أساسياً ودائماً في الدعوى المساقة بإسم الحق العام، وتحرّك دعوى الحق العام وفقاً للأصول المحددة قانوناً، ولا تتعرض لأساس النزاع، فلا يمكن اقصاؤها عن هذه الدعوى وبالتالي لا يجوز الإدلاء بإنحياز النائب العام التمييزي كسبب لنقل الدعوى».

وفي هذا الإطار، اعتبر حمود أن «الإدلاء بإنحياز النائب العام التمييزي لحزب سياسي معين، لا يرتكز على أي دليل ويفتقر إلى الإثبات، فالإخبار قدمه عدد من المحامين بصفتهم الشخصية، وليس بصفتهم ممثلين لأي حزب سياسي وليس فيه ما ينم عن توجهاتهم السياسية أو الحزبية، ولا يمكن نسبة الإنحياز للنائب العام بالاستناد إلى إجراءات قامت بها الضابطة العدلية ضمن صلاحياتها»، إما لجهة «الإدلاء بأن تنفيذ القرار القضائي الذي أصدره النائب العام التمييزي قد أدى إلى مساس بالسلامة العامة، فان المادة 340 فقرة 2 من أصول المحاكمات الجزائية تحصر بالنائب العام التمييزي طلب نقل الدعوى لسبب المحافظة على السلامة العامة».

أما لجهة طلب نقل الدعوى إلى محكمة المطبوعات، رأى حمود في ردّه أنه «بغض النظر عن مدى اختصاص محكمة المطبوعات للنظر في هذه القضية، فهذا الطلب مستوجب الرد كون الإجراءات ما زالت في إطار التحقيق الأولي ولم يتم الادعاء على طالب النقل حتى تاريخه، ولان هذا الإدلاء يخرج عن الحالات المحددة حصراً في القانون التي تجيز طلب نقل الدعوى، والتي لا يجوز التوسع في تفسيرها، كما يناقض مبدأ نقل الدعوى إلى مرجع آخر من الدرجة عينها».

وخلص القاضي حمود إلى طلب رد الاستدعاء لإفتقاره إلى الأساس القانوني الصحيح ولعدم توافر عناصر أحكام المادة 340 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وما يليها.