صرّح سكرتير الدولة للثقافة الإيطالية الجديد أنه يريد إعادة النظر في إعارة لوحات للفنان التوسكاني، لمعرضه في اللوفر عام 2019، الذي يصادف ذكرى رحيل دافنتشي الخمسمئة.. والمعروف أن هذا السكرتير شخصية يمينية متطرفة مشارك في التحالف المؤلف من سيوسيبي كونين.. في ممرات كوريري ديللا سيرا في 17 تشرين الثاني الماضي، أعلن لوشيابور بورغونزوني إرادته في إعادة مناقشه اتفاق 2017 مع حليفيه في مسألة إعارة متحف اللوفر لوحات لمعرض 500 عام على موت دافنتشي، كل لوحات الفنان المحفوظة في المتاحف الإيطالية.. وفي المجموع بحسب رأي الخبراء التي رسمها المعلم بين 14 و17. أربع منها موجودة في إيطاليا لكن لوحة «القديس جيرومي» غير مدرجة لأنها ملك الفاتيكان. وتضاف «معمودية المسيح لفيروشيو» أحد الملائكة الذي رسمها تلميذ ليوناردو. وذريعة السكرتير «أن هذه الإعارات يمكن أن تهمش إيطاليا عن هذا الحدث الثقافي الكبير (...)، فلا يستطيع الفرنسيون أن يأخذوا كل شيء» - وتبريره - «ليوناردو إيطالي، لكنه مات في فرنسا»، ليجمد مشروعاً ثقافياً كبيراً.

يُذكر أن رئيس متحف اللوفر جان - لوك مارتينيز كان ينتظر تعليق «سلفادور ماندي» في متحف أبو ظبي في 18 أيلول، وأعلن تمنيه بأن يعرضها في باريس حتى 11 تشرين الثاني الماضي.

أثناء احتفال المتحف بذكرى تأسيسه الأول الذي رسمه جان نوفيل، لم يتسرب شيء من ذلك. الضغوط صدرت منه، الشكوك التي عبّر عنها عدة خبراء حول طبيعة الأوتوغراف في العمل، وتلك السياسة المرتبكة منذ قضية قتل الصحافي خاشقجي - فلوحة «سلفادور ماندي» يمتلكها رجل السعودية القوي محمد بن سلمان، يبدو أنها جمّدت وقتياً كل تقديم.

أما في ما يختص بالنقطة المتعلقة الكامنة بموقف بورغونزوني، بالعلاقات السياسية الإيطالية - الفرنسية، فمتعلقة بالسيناتور فرانشسكو جيرو (من فورزيا إيطاليا) الذي تنكّب الاهتمام بالممتلكات الثقافية في عهد بيرلسكوني من 2008 إلى 2011 الذي يقول «إيطاليا ليست مستعمرة ثقافية عند فرنسا (...) بالترتيب المهم، تأتي فرنسا بعد فلورنسا في عصر الميدييس، وميلانو عصر اسفورزا وروما البابوات». لكن اللوفر لم يرد رسمياً.. فالمؤسسة لا تريد صب الزيت على النار. مع هذا، ففي الداخل كما في الخارج، ارتفعت أصوات عديدة تشجب «الاستفزاز السهل»، «بالنسبة للوقت الحالي، ليس عندنا سوى إعلان نوايا. ننتظر ونحن نأمل». تقول مسؤولة موضحة أن «ما من عقد إعارة لم توضع بعد على الطاولة» الالتزام الأصلي كان يندرج في التعامل العادي بين المؤسسات الأوروبية المتعلق بتبادل الإعارات.. في مقابل اللوحات الإيطالية وعدت فرنسا، أن ترسل إلى روما إلى متحف كيرينال عدداً من لوحات رافاييل في عام 2020، المصادف لذكرى مرور 500 عام لهذا الفنان النهضوي الكبير اليوم، وإزاء المواقف المتصلبة، نذكر اللوفر أنه أرسل لوحتين لدافنتشي «الحدادة الجميلة» و«القديس يوحنا المعمداني» للاشتراك بمعرض استعادي في بالازو ريال مدريد عام 2015، للمعرض الدولي.. لوحتان وكذلك ثلاث «البشارة» للورنزو دي كريدي، لكن شارك فيها الفنان ليوناردو الشاب. «هذه البادرة تبقى استثنائية: لكي لا نجعل الزائرين يحسون بالكبت»، فإن المتحف وضع قاعدة بعدم إعارة سوى لوحة واحدة.. وذكر المتحف أن تاريخ المعرض الاستعادي/ بباريس يتوقف من عام 2019 إلى 24 شباط 2020، أي بعد عدة أشهر من ذكرى ولادة دافنتشي في 2 أيار «لكي تتمكن كل مدينته أو كل متحف أن ينظم تظاهراته الخاصة».

وقد أجري حوار مع سيرجي براملي كاتب سيرة دافنتشي قبل ثلاثين عاماً، وبسبب نجاحه، فقد أعيد طبعه في كتاب الجيب:

* هل يمكن تأكيد أن دافنتشي كان ايطالياً وأنه فقط مات في فرنسا؟

- هذا السجال بلا جدوى، لسبب بسيط وهو أنه في تلك الفترة لم تكن هناك أمة إيطالية، إنما قامت في القرن التاسع عشر. في العصر الذي يهمنا وهو القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، فشبه الجزيرة كانت مكونة من مقاطعات صغيرة، وأيضاً من مدن - دول على صراع دائم، وعلى تنافس. دافنتشي، المولود في توسكانا، فهو توسكاني، هكذا يحدد المعاصرون الأمر. ليس كإيطالي، الذي لا يعني ذلك شيئاً.

* المعروف أنه لم يكن يجيد اللاتينية أو اليونانية، ولم يكتب إلا باللغة التوسكانية الشعبية، حتى عندما يتوجه إلى محادثين أجانب..

- لم يكن عنده أي ضيق، كما زملاؤه، في العمل من أجل مدن أخرى، أو دول كما فلورنسا. ففي ميلانو نما فنه وعندما نزل ملوك فرنسا، الذي كان عندهم مزاعم وراثية حول نابولي ومملكتها في صقلية، في شبه الجزيرة، فقد وضع دافنتشي فنه في خدمتهم وخدمة جنرالاتهم من دون أن يخلق له ذلك أي مسألة ضمير. كان هناك شارل الثامن، ثم لويس الثاني عشر الذي احتل الميلاني وسجن لودوفيك الموري، دوق ميلانو. ثم وبعد مارنيان، اقنعه فرانسوا الأول لموافاته على ضفاف اللوار، في مملكة فرنسا.

* أكان يمكن أن يهاجر إلى مكان آخر؟

- عرض العمل عليه لم يكن ينقصه.. فقد كان يُطالب به من مانتو إلى البندقية، سلطنة القسطنطينية، شغلت اهتمامه لحظة، ثم كان مهندساً حربياً عند سيزار بورجيا، ابن البابا الكسندر، عاد إلى فلورنسا، التي صارت جمهورية، ثم استقر في روما، لكي يجد راعياً له في شخص جوليان دو ميوسيس قبل أن يقبل في النهاية دعوة لزيارة فرانسوا الأول. فبهؤلاء كان متعلقاً وليس بالأمة.

* منحه فرانسوا الأول رسالة تجنيس، التي كانت شرعية تحت النظام القديم، رسالة تسمح لأجنبي بأن يُقبل في حاشية الملك، هل ذلك يصنع منه فرنسياً في نهاية حياته؟

- طبعاً، لكن لم تكن الحدود بالنسبة إليه تعني شيئاً، لأنها كانت تتغير. التحالفات لم تتوقف وتبطل.

* أيعني أنه مرتزق؟

- ترى أليس الفنانون كذلك إلى حد ما؟ فالأولويات المحلية التي تبدو سكنية، وثروة الناس عموماً كانت تهمهم أكثر من هذا الحكم أو ذاك. لم يكن دافنتشي.. إنه ايطالي كما فرنسي، كان يرى نفسه إنسانأً متقدماً أكثر تجذراً في السلالة من بلد ما.

ب.ش

كلام صور

«البشارة» لدافنتشي

لوحة لدافنتشي

لوحة لدافنتشي

دافنتشي بريشته