وجهت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني الانذار الاخير للبنان ليسارع الى تشكيل حكومة تبدأ على الفور بوضع الاصلاحات على سكة التنفيذ وخصوصا تلك المتعلقة بالتصحيح المالي، والا فستقوم بخفض تصنيفه من مستوى «B3» حاليا الى «Caa1»، اي انه سيكون «ذات جودة رديئة وذات مخاطر ائتمانية عالية جدًا».

فوكالة «موديز» عدلت خفضاً نظرتها المستقبلية لتصنيف لبنان الى «سلبي» من «مستقر» واكدت في المقابل على تصنيفها B3، ما يشكل تكلفة اضافية يدفعها لبنان جراء التأخر في تشكيل الحكومة. فالنظرة المستقبلية السلبية لأي اقتصاد تعني وجود احتمال لخفض تصنيفه الائتماني بين 6 اشهر وسنة.

ومن شأن خفض النظرة المستقبلية لبنان ان يفاقم المخاطر السيادية وان يزيد من تكلفته على الاقتراض، وان يؤدي الى المزيد من التدهور في المالية العامة والى زيادة الدين العام.

لكن «موديز» أبقت الباب مفتوحا بامكان تعديل نظرتها المستقبلية نحو الاحسن اذا تشكلت الحكومة واتخذت خطوات سريعة نحو التصحيح المالي مما سيساهم في بدء الافراج عن الاموال التي تعهدها المجتمع الدولي المانح في «سيدر» ويؤدي بالتالي الى تعزيز افاق النمو واستعادة ثقة المستثمرين والمودعين.

وكانت «موديز» أبقت في تقرير سابق النظرة المستقبلية للبنان ضمن مستوى «مستقر»، وعللت هذا الامر بانه رهن بتنفيذ الاصلاحات المالية، إلى جانب الحفاظ على تدفقات خارجية كافية لدعم تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار.

وفي تغريدة له على تقرير «موديز»، قال وزير المالية علي حسن خليل «إن تقرير موديز اليوم الذي حافظ على تصنيف لبنان مع تغيير النظرة إلى سلبية، يفرض على الجميع الانتباه إلى المضمون الصحيح الذي يؤكّد على أهمية تشكيل الحكومة والبدء بالإصلاحات لإعادة الثقة وتخفيف معدّل المخاطر وتخفيف العجز. إذا كان هذا الأمر ممكناً الآن، فربما سنخسر فرصته بعد أشهر إذا ما بقيت النظرة السلبية نفسها».

"الليرة مستقرة.. وستبقى"

كبير الاقتصاديين ورئيس قسم البحث والتحليل الاقتصادي في «بنك بيبلوس» نسيب غبريل لا يتوقع ان تقوم «موديز» بخفض تصنيفها للبنان في الاشهر المقبلة. ويرى في تصريح لـ«المستقبل» ان خفض النظرة المستقبلية الى «سلبية» لم تكن مفاجأة بل كانت متوقعة في ظل تفاقم عجز الموازنة والتأجيل في بدء الاصلاحات والانطباع السلبي الذي تعطيه الطبقة السياسية باستهتارها بالتحديات الكبيرة التي يواجهها لبنان وبتفاقم الوضع المالي. لكنه يعتبر في المقابل ان خفضا ائتمانيا «غير ممكن» في الاشهر المقبلة الا في حال بقي الوضع على ما هو عليه او تفاقم وضع المالية العامة. ويفسر ابقاء الوكالة تصنيفها على المستوى ذاته، وخلافا لما يشاع، ان لبنان ليس على شفير الافلاس وان الاقتصاد ليس على شفير الانهيار وان الليرة مستقرة وستبقى. فـ«دعوة الوكالة الى بدء الاصلاحات كانت اشارة ايجابية منها تؤشر الى ان خفض التصنيف لن يكون قريبا، وانها وضعت المسؤولية على عاتق الطبقة السياسية والسلطات التشريعية والتنفيذية والنقدية من اجل الاسراع، ليس فقط في تشكيل حكومة، انما بدء الاصلاحات واعطاء اشارات ايجابية الى المستثمرين والمودعين والمؤسسات متعددة الاطراف والدول المانحة ومؤسسات التصنيف الائتماني، الى ان لبنان جاد في خفض الاختلالات المالية ومواجهة التحديات وفي كبح الاستدانة والبدء بتطبيق خطوات تحفز على النمو».

هذا ويشير التقرير الى تباطؤ نمو الودائع ويتوقع بلوغه نسبة 3 في المئة في العام 2018 اي ما يعادل 5 مليارات دولار اميركي. «هو امر يدعونا الى وجوب معالجة الخلل بالمالية العامة والحساب الجاري، لان الاعتماد شبه الكامل على الجهاز المصرفي بشقيه المصارف ومصرف لبنان، لتمويل العجز في الموازنة وفي الحساب الجاري، والضغط المستمر على المصارف من اجل استقطاب الودائع، وارتفاع معدلات الفوائد واشتداد التنافس على استقطاب الودائع ورؤوس الاموال، كلها عوامل تؤدي الى زيادة الضغط على الجهاز المصرفي الذي لا يجب ان يتحمل وحده مسؤولية الاستقرار المالي والنقدي والاجتماعي». ويرى غبريل ان ما اعلنته «موديز» يجب ان يشكل جرس انذار للمسؤولين والمعنيين من تداعيات العرقلة المستمرة لتشكيل الحكومة.

التقرير

تعديل نظرة «موديز» الى «سلبية» يأتي، وفق تقرير الوكالة الدولية، نتيجة ارتفاع المخاطر التي تواجه مركز السيولة الحكومية والاستقرار المالي للبلاد، في جزء كبير منه بفعل تنامي المخاطر المحلية والجيوسياسية التي أصبحت أكثر استعصاءً وارتفاع التوترات الداخلية والجغرافية السياسية التي تعيق قدرة السلطات على وقف توسيع الاختلالات المالية والخارجية. وهو ما له تأثير سلبي على قدرة وصول لبنان إلى التمويل من المانحين الدوليين، علما ان ارتفاع المخاطر السياسية يساهم في زيادة هامش المخاطر وارتفاع تكاليف التمويل.

واشارت الوكالة الى انه في ظل غياب تدابير تصحيح المالية العامة التي من شأنها أن تسمح بالإفراج عن بعض القروض الدولية وان تقلص رقعة المخاطر التي لوحظت في الأشهر الأخيرة، فإن المقاييس المالية للبنان التي كانت بالفعل من بين الأضعف التي صنفتها «موديز»، تزيد ضعفاً مما يساهم في ارتفاع مخاطر السيولة والاستقرار المالي.

اما تأكيد تصنيف الوكالة لــ«B3» فيعكس افتراضها بأنه سيتم تشكيل حكومة على المدى القريب، وان هذه الاخيرة ستقوم بتنفيذ بعض التصحيح المالي الذي من شأنه أن يؤدي إلى الافراج عن اموال «سيدر» مما سيدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي ويخفف من مخاطر السيولة. كما يأخذ تأكيد التصنيف في الاعتبار «قدرة مصرف لبنان على الحفاظ على درجة من الاستقرار المالي رغم الاختلالات الكبيرة في الاقتصاد الكلي وفي وقت التوترات السياسية، وإن كان ذلك في الوقت الحالي بتكاليف متزايدة».

وتحذر الوكالة من أن يؤثر استمرار التوتر السياسي سلبا على زيادة تدفقات رؤوس الأموال الوافدة وعلى الاموال التي اقرها المانحون للبنان، ما يترتب عليه تداعيات كبيرة على قدرة لبنان على الحفاظ على الاستقرار المالي وخدمة ديونه بتكاليف مستدامة.

وقالت الوكالة انه «على الصعيد الداخلي، فان حل الجمود السياسي الذي يحول دون تشكيل الحكومة منذ الانتخابات النيابية في 6 ايار 2018 يعد شرطا أساسيا من أجل إطلاق حزمة دعم برنامج الاستثمار العام التي تبلغ قيمتها 11 مليار دولار والتي تعهدها المانحون الدوليون خلال مؤتمر سيدر في مقابل تدابير التصحيح المالي بخفض العجز بواقع 1 في المئة الى الناتج المحلي الإجمالي سنويا على مدى السنوات الخمس المقبلة».

اما في ما يتعلق بالمخاطر الجيوسياسية، فإن وكالة «موديز» ترى أنها زادت في ضوء انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران، واقرار عقوبات جديدة على «حزب الله» في أواخر تشرين الاول والتي تستهدف ليس فقط ذراع المنظمة السياسية والمسلحة، انما الأشخاص الأجانب والوكالات الحكومية التي تساعد «حزب الله» او تدعمه. فهذه العقوبات «تزيد من حال عدم التيقن بين المستثمرين والمجتمع الدولي المانح في ضوء المشاركة المنتظرة للحزب في مجلس الوزراء اللبناني».

ونتيجة للمخاطر المحلية والجيوسياسية، فان «موديز» تقدر أن يكون هامش المخاطر على الديون الدولية للحكومة اللبنانية قد اتسع بمقدار 300 نقطة أساس منذ نيسان الماضي إلى نحو 800 نقطة أساس، مما يمثل زيادة كبيرة في تكلفة الديون الدولية.

كما ان «موديز» تتوقع أن يظل العجز في الموازنة أوسع نطاقاً لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق، مما يزيد عبء الدين الحكومي، في وقت تتباطأ ودائع المصارف التي قام المصرف المركزي بتوجيهها لتمويل احتياجات الحكومة.

عن ميزان المدفوعات، قالت الوكالة إن تدهوره في العام 2018 والذي يعكس تدني صافي الأصول الأجنبية للمصارف التجارية جزئياً استجابة لمشاركتها في عمليات المصرف المركزي، يلقي الضوء على تناقص قدرة الاقتصاد استيعاب الصدمات الخارجية.

واعادت الوكالة في تقريرها التركيز على اهمية وجود حكومة لتنفيذ بعض التصحيح المالي، قائلة انه من دون حكومة من المرجح ان يصل عجز الموازنة الى ما نسبته 10.5 في المئة الى الناتج المحلي في 2018 مقارنة مع 8.9 في المئة كانت توقعتها «موديز» سابقا. وهي تشرح ان ارتفاع دفعات خدمة الدين والتحويلات الكبيرة الى مؤسسة كهرباء لبنان وانخفاض الايرادات، كلها عوامل تسبب في تنامي العجز في 2018 مقارنة مع 2017.

اما بالنسبة الى عامي 2019 و2020، فان «موديز» تتوقع انخفاضا محدودا للعجز المالي، إلى 9.5 في المئة وإلى 9 في المئة الى الناتج المحلي الإجمالي على التوال، مع الأخذ في الاعتبار نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، الى نحو 1 في المئة أو 2 في المئة في السنوات الثلاث المقبلة. كما تقدر ان يستمر عبء الدين الحكومي في الزيادة إلى أكثر من 150 في المئة الى الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2021 من نسبة متوقعة 141 في المئة في 2018.

وعن نية وزارة المالية القيام باصدارات بفوائد قريبة من تلك المعتمدة في الاسواق، يقول التقرير ان رغبة الحكومة اللبنانية في إصدار دين محلي أقرب إلى أسعار السوق اعتبارًا من عام 2019، فإن القدرة على تحمل الديون، وفقًا لقياس الفائدة / الإيرادات، ستتجاوز الـ50 في المئة في العام المقبل وتبقى على هذه المستويات، وهي الأضعف بين جميع الدول المصنفة من «موديز». هذه القدرة الضعيفة على تحمل الدين تجعل صورة لبنان المالية والائتمانية عرضة بشكل خاص لزيادة في تكلفة الدين لوقت اطول.

الودائع

تقول «موديز» ان ودائع القطاع الخاص تعتبر مصدرًا رئيسيًا للتمويل غير المباشر للحكومة، وانه من خلال سلسلة من العمليات المالية التي بدأت في أيار 2016، قام مصرف لبنان بتحفيز المصارف التجارية لجذب ودائع جديدة ووضع أصولها الأجنبية السائلة في المصرف المركزي. وقد سمحت هذه المركزية للسيولة في مصرف لبنان بالحفاظ على أسعار فائدة منخفضة ومستقرة من خلال شراء الدين الحكومي الذي لا يمتصه النظام المصرفي. وهكذا توسعت محفظة مصرف لبنان من دين الدولة، اي سندات الخزينة الى نسبة 50 في المئة في ايلول 2018 من نحو 27 في المئة في نهاية العام 2010.

واشارت «موديز» الى تباطو نمو الودائع المصرفية وتوقعت ان تصل نسبة نموها الى 3 في المئة في نهاية العام 2018 بعد نموها المرتفع في منتصف العام 2016 واواخر العام 2017، أي ما يعادل حوالي 5 مليارات دولار بدلاً من 6.5 مليارات دولار كان متوقعًا من قبل، وأقل من العجز المالي عند 6 مليارات دولار.

ورجحت ان تكون المخاطر السياسية المتصاعدة، وارتفاع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الاميركي، وانخفاض الثقة في الاستقرار المالي المستدام، سبب تباطؤ نمو الودائع. ونبهت الى انه «ما لم يتم استعادة ثقة المودعين في الاستقرار السياسي والمالي، فسيظل وصول الحكومة إلى التمويل مقيدًا، مع تنامي آفاق المزيد من السيولة والضغوط المالية في النظرة السلبية».

هل ستعدل «موديز» نظرتها؟

من المرجح أن تغير «موديز» توقعاتها إلى «مستقرة» إذا ما أدت الإصلاحات المهمة إلى إطلاق حزمة الاستثمار العام في «سيدر»، ورفعت آفاق نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتمت استعادة ثقة المستثمرين وثقة المودعين وارتفاع نمو الودائع بشكل دائم. وهذا من شأنه دعم فعالية إجراءات المصرف المركزي الرامية إلى توجيه التمويل للحكومة بتكلفة مستدامة مع الحفاظ على الاستقرار المالي.

لكن في المقابل، قد تقوم وكالة «موديز» بخفض تصنيفها للبنان في حالة عدم وجود فرص تصحيح مالي موثوقة وفعالة، «ربما نتيجة استمرار الجمود السياسي الداخلي و / أو الضغوط الجيوسياسية المكثفة، يصبح وصول الحكومة إلى التمويل بتكلفة معقولة أكثر ضعفا. على وجه الخصوص، فإن التباطؤ الكبير في الودائع سيشير إلى انخفاض فاعلية السياسة ويشير إلى زيادة المخاطر على الاستقرار المالي، مما يضع ضغطًا هبوطيًا على التصنيف».