«تصفية عامة... ضحينا كتير وما في حلّ... هالعيشة صارت ذلّ بذلّ... قررنا نسكر هالمحل... ونصفي هالبضاعة ونفلّ». بهذه العبارات اختصر أحد أصحاب المحال التجارية في بيروت الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالقطاعات الصناعية في لبنان عموما ومنها قطاع الألبسة.

هذا القطاع الذي لطالما عاش مرحلة ذهبية قبل العام 1975 مع الشهرة التي ذاعت بها مصانع النسيج في حينه والتي وصل عددها الى نحو 1000 مصنع، كذلك الأمر بالنسبة الى دودة القزّ التي طوّرها الأمير فخر الدين حيث جعلت من لبنان مركزاً صناعياً كبيراً على مدى مئات السنين.

لقد صمدت هذه الصناعة حتى الحرب الأهلية، ثمّ بدأت تتهاوى مع تهاوي مؤسسات الدولة، الى ان تلقت الضربة القاضية باقرار اتفاقية التيسير العربي التي ألغت الرسوم الجمركية وجعلت صناعة الألبسة والنسيج قاصرة عن المنافسة، ووضعتها أمام خيارٍ صعب لا ثاني له، وهو التلاشي. ومن هنا بدأت كبوة هذا القطاع...

حالة الأسواق

«الله يرحم زمن رفيق الحريري». بهذه العبارة يبدأ أيمن نعمة حديثه لـ«المستقبل». «لقد مرّ لبنان بمرحلة ذهبية هي مرحلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لم نعرف قيمة ما قدم هذا الرجل الى لبنان عموماً والى الاقتصاد خصوصاً، وها نحن اليوم نترحم على تلك المرحلة».

أيمن الذي يملك محلاً لبيع الألبسة في شارع الحمرا، يصف القطاع اليوم بالسيء جداً ويضيف: «الوضع لم يعد يُحتمل، رغم أن لبنان يستطيع أن ينافس العالم العربي بالجودة والذوق الرفيع، الا ان غياب الدولة عن دعم هذا القطاع يحول دون ذلك».

برأي أيمن، فـ«ان التجاذبات السياسية منذ العام 2005 ساهمت بشكل مباشر في ضرب القطاع السياحي الذي نعتمد عليه في المواسم، فتأثرت مبيعاتنا في ظـل انخفاض وتيرة توافد الأجانب والمغتربين. فضلاً عن الضرائب المتزايدة التي أدت الى إضعاف قدرة المواطن الشرائية، ناهيك عن غلاء الأسعار، ما دفع معظم اللبنانيين الى التوجه الى الأسواق التركية بسبب تدنّي أسعار المنتجات مقارنة مع مثيلاتها في لبنان».

يناشد أيمن المعنيين في الدولة بـ«التطلع الى أصحاب المحال التجارية المقاومين والصامدين رغم الازمات التي تعصف بالبلاد والعباد، ومساندتهم عبر تخفيف الضرائب خصوصاً في هذه المرحلة بالذات كي يستطيعوا الاستمرار في هذا البلد».

لا يختلف رأي هشام عن رأي أيمن من حيث صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تعصف بلبنان جراء الانقسامات الحادة في البلد والتي، بطبيعة الأحوال، تنعكس على قدرة المواطن الشرائية. الا انه في المقابل، يرى ان قطاع الألبسة له مكانة مميزة في قلوب اللبنانيين حيث ينفق اللبناني على الأزياء والألبسة أكثر من أي قطاع آخر.

هشام الذي يعمل مديراً لفروع احدى شركات الالبسة العالمية الموجودة في بيروت يقول لـ«المستقبل»: «المشكلة ليست في تشكيل الحكومة فحسب انما في كيفية ادراة هذا القطاع من قبل المعنين خصوصاً في الازمات».

ضعف الاسواق التجارية، برأي هشام، دفع بأصحاب المحال الى اللجوء الى ما بات يعرف بالـ Black Friday من أجل تصريف انتاجهم الذي يتعرض لمنافسة شرسة خصوصاً وانّ اللبناني بات يقصد السوق التركية لشراء حاجاته خصوصاً الألبسة.

اللبنانيون والسوق التركية

تحولت تركيا الى الوجهة الأساسية بالنسبة إلى اللبنانيين في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت نسبة التوافد اللبناني إليها بحوالي 42 في المئة هذا العام مقارنة بعام 2017، وتراوحت عدد الرحلات اليومية خلال شهر آب 2018 بين 29 و44 رحلة قادمة ومغادرة من وإلى تركيا.

قد يتساءل البعض عن الأسباب الكامنة وراء اختيار شريحة كبيرة ومتنامية من اللبنانيين «الهجمة» على تركيا والتسوّق فيها.

رخص الأسعار هو السبب الرئيسي برأي هدى مطر الذي يشجع العديد من اللبنانيين الى زيارة تركيا خصوصاً في هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعصف بلبنان. وتقول لـ«المستقبل»: رحلتنا الاخيرة الى تركيا (الاسبوع الماضي) كانت بهدف التسوق والسياحة معاً. في الحقيقة شعرت أنني في لبنان لكثرة اللبنانيين في الأسواق وفي محلات الألبسة بالتحديد. وكم نشتهي رؤية هذا المشهد في الأسواق اللبنانية".

من جهته، يعتبر كريم شعيتو ان رحلته الأخيرة الى تركيا كانت موفقة جداً خصوصاً ان زيارته تزامنت مع الـ Black Friday في تركيا. ويؤكد لـ"المستقبل" أنّ رخص اليد العاملة ودعم الدولة للصناعات التركية ساهما في خفض الأسعار مقارنة بلبنان، وهذا ما دفع العديد من الشعوب العربية، واللبنانيين على وجه الخصوص، بزيارة تركيا والتسوق فيها.

الجميل: 300 مليون دولار صادرات في 2021

يعاني قطاع الألبسة في لبنان من صعوبات عديدة خصوصاً في ما يتعلق بتصديرالانتاج، اضافة الى المنافسة غير المشروعة فضلاً عن الاغراق والتهريب، ما دفع القائمين على هذا القطاع بالعمل مع المؤسسات الدولية لإعادة احيائه من جديد.

في هذا الاطار، يشير رئيس جمعية الصناعيين فادي الجميل في حديثه لـ"المستقبل" إلى أنّ "صادرات قطاع الألبسة في الماضي كانت تشكل نحو 12 في المئة. اما اليوم فهي لا تتجاوز الـ 1.9 في المئة اي ما قيمته 60 مليون دولار".

ويؤكد الجميل على "أهمية النهوض مجدداً بهذا القطاع كونه يخلق فرص عمل.. من هذا المنطلق، بدأنا العمل مع المؤسسات الدولية من ضمنها البنك الأوروبي للاستثمار والتنمية من أجل تأمين تمويل مُيسر للقطاعات الصناعية وعلى رأسها قطاع الألبسة، ونطمح أن تصل صادراتنا الى 300 مليون دولار لأوروبا فقط في العام 2021، وهذا الرقم ليس مستحيلاً خصوصاً ان أوروبا تستورد ألبسة ونسيج بقيمة 287 مليار دولار سنويا، 17.5 مليار دولار منها مصدرها مراكش".

في المقابل، يرى الجميل ان قطاع الألبسة يسجل نجاحات باهرة على مستوى التصاميم خصوصاً في الأسواق الأوربية والعاصمة الفرنسية على وجه التحديد عبر سفراء الموضة التي أضحت تصاميمهم تضاهي التصاميم الأوربية، وهذه فرصة يجب الاستفادة منها لغزو الاسواق الأوربية بالصناعات اللبنانية.

أطرش: «ديفيليه» عالمي في بيروت

ساهم سفراء الموضة اللبنانيون في رفع اسم لبنان عالياً واحتلوا خلال السنوات القليلة الماضية مكانة بارزة في أهم قاعات ومهرجانات عرض الأزياء حول العالم، خصوصاً في عاصمة الموضة – فرنسا – ولكن مع الأسف لم نستطع حتى اليوم الاستفادة من هذه النجاحات في السوق اللبناني الداخلي.

يؤكد المصمم اللبناني داني أطرش لـ"المستقبل" أنّ "ضعف القدرة الشرائية لدى نسبة كبيرة من الأسراللبنانية نتيجة الأوضاع الإقتصادية انعكس علينا سلباً، فضلاً عن غياب السائح الخليجي الذي كنا نعتمد عليه في القطاعات كافة خصوصاً الالبسة والموضة. وهذا ما دفعنا في الفترة الأخيرة الى السفر مرات عديدة للقائهم في بلدان أكثر استقراراً من لبنان".

برأي داني "هذا القطاع يحتاج الى دعم من الدولة اللبنانية خصوصاً وانه مترابط مع قطاعات أخرى، وباستطاعة الاقتصاد اللبناني الاستفادة منه داخلياً عبراستقطاب السياح العرب والأجانب الى لبنان، وخارجياً من خلال مصممي الأزياء الذين غيروا نظرة العالم الى بلدهم ووضعوه على خارطة العالم الثقافي".

يضيف:» لن يستطيع هذا القطاع النهوض مجدداً في ظل غياب استراتيجية دعم واضحة من الدولة، وفي ظلّ التحفيزات والتسهيلات التي تقدمها الدول المجاورة من أجل المنافسة. لذلك على الحكومة الاهتمام أكثر بالقطاع السياحي بالدرجة الأولى لأن هذا القطاع هو خزان لبنان الأساسي، وهذا ما فعله الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقد شهدنا الازدهار الذي عاشه لبنان ما بين عام 2000 – 2004«.

يختم داني حديثه بالقول:» هناك فكرة ستتبلور في الاشهر المقبلة بالتعاون مع المصممين اللبنانين لاقامة ديفيليه عالمي في بيروت، لعرض أحدث خطوط الموضة، وهذا المشروع يساهم في عودة لبنان الى مكانته الثقافية المميزة«.

مخايل: خسائر الغياب الخليجي

»خلّف غياب السائح الخليجي عن لبنان خسائر كبيرة لم يتمكن القطاع السياحي من استيعاب تداعياته. وقد طالت الخسائر قطاعات عديدة كتجـارة التجزئـة ( أي بيع الخدمات والبضائع للأفراد على شكل وحدات مُعينة أو قطع أو غيرها من أشكال المُنتجات الأُخرى) التي تعتمد بصورة كبيرة على السياح«. هذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي مروان مخايل في حديثه لـ»المستقبل«نافياً ان يكون الركود في هذا القطاع سببه الوحيد توجه اللبنانيين الى الأسواق التركيه.

يضيف: لا شك ان انخفاض القدرة الشرائية عند اللبنانيين أثرت بشكل كبيرعلى نمط الحياة التي اعتداها اللبناني خصوصاً هذا العام بسبب تراجع الوضع الاقتصادي - اقرار سلسلة الرتب والرواتب - ارتفاع الأسعار- زيادة الاقساط المدرسية – كل هذه العوامل ساهمت في ابتعاد اللبناني عن الكماليات وبالتالي انعكست سلباً على قطاعات عديدة مثل قطاع الألبسة.

ويختم قائلا ان الدولة "عاجزة اليوم عن دعم القطاعات الصناعية بالقروض او ما شابه لأن عجز الموازنة قد وصل الى نحو 3 مليارات دولار، ولم تعد الدولة قادرة على صرف اموال اضافية، بل على العكس يجب ان تعمل من أجل تخفيض عجز الخزينة عبر ضبط النفقات من أجل والبدء بالاصلاحات من أجل الاستفادة من اموال مؤتمر سيدر".

(خاص "المستقبل")