روبير دي نيرو، أسطورة السينما الأميركية، لعب عشرات الأدوار مع مخرجين عديدين كبار، وفي أفلام أثارت إعجاباً وجدلاً ونالت جوائز وأوسكارات. يبقى فيلم «تاكسي درايفر»، (سكورسيزي)، إحدى فاتحاته الكبرى لتفجير موهبته في الأداء، لا سيما مع الأفلام التسعة التي تعاون فيها مع المخرج «ماتي» (ساركوزي)، وكذلك مع بريان دي بالما. نال عدة جوائز أوسكار.. وكُرِّم في عدة مهرجانات.. لكن ومنذ نحو عشر سنوات، بات ينوّع في الأفلام والأدوار مثله مثل انطوني هوبكنز أو مورغان فري، أي أدوار تحسها على غير مراتب الماضي.

مهرجان مراكش للسينما يكرّمه (في المغرب)، والمفاجأة، أن سكورسيزي هو الذي سيسلمه درع التكريم أو الجائزة. هنا الحوار الذي أجرته معه «لو باري ماتش». والغريب أن معظمه دار حول رأي دي نيرو بترامب.

*********************

* عملت مع المخرج مارتن سكورسيزي أروع تعاون إبداعي في تاريخ السينما، كأنكما ثنائي عجوز، ما هو الأساس الذي ترتكزان عليه؟

- تربطنا علاقة استثنائية، ما أحبه عند «مارتي» أنه مهما اقترحت عليه، فهو دائماً مصغٍ. إنه ليس سلبياً أبداً. إذا اعتقد أنني على خطأ وهو على صواب، نلتقي معاً في قاعة المونتاج، ويشرح لي بهدوء عن مواضع الخلل.

* ألم تختلفا وتتشاجرا؟

- إطلاقاً!

* هل كنت تعرف أنه بينما كنت تصور «سائق التاكسي» أو «راجينغ بول» أن هذين الفيلمين سيكونان من الروائع؟

- عندما صوّرنا «تاكسي درايفر»، لم نتصور لحظة واحدة أن هذا الفيلم يمكن أن يلمس قلوب ذلك القدر من الناس. مع أن الانتقادات لم تكن موحّدة أو متشابهة. لكن كان ثمة إحساس بأن هناك شيئاً جد خاص، كان عملاً صنع بحب وهذا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منّا.

* «The Inishman»، تعاونك التاسع مع سكورسيزي والذي انتهى تصويره مؤخراً بالاشتراك مع آل باتشينو، سيعرض على نيتفيلكس. ماذا تفضل شخصياً: أن يشاهد فيلماً ما مئة مليون أو على شاشة ضخمة؟

- الأفلام التي ننجزها مع مارتي هي تقليدياً موجّهة إلى الشاشة الضخمة. ويحاول «نيتفليكس» أن يرى إذا كان في مقدوره أن يقدمه على الأقل بضعة أسابيع في صالات السينما في الوقت ذاته الذي يعرض على التلفزيون؟ لكن، شاشات التلفزيون اليوم تجعلنا غالباً ما نحس أننا في بيتنا كما في السينما. صراحة، لا أعرف كيف سيؤول الأمر، فالذي أعرفه أننا يجب أن نماشي الزمن.

* تقول إن موهبة الممثل تكمن في اختياراته، هل أنت تأسف على بعض اختياراتك؟

- طبعاً.

* والدك الذي كان رساماً، كافح كل حياته ليكسب عيشه، لكنه بقي حتى النهاية مخلصاً لفنه. عندنا انطباع أنه على عكسك حيث حل المقاول محل الممثل.

- أحب كثيراً السينما، وكذلك العمل مع سكورسيزي، استغرقنا سنوات في العمل لتحقيق «The Inishman». لكن هذا صحيح، أنه إذا سنحت فرصة لمقاولة شيء جديد، لا أفوتها. إنها متعة مختلفة، وعندما ينجح الأمر، أعترف بأنه مرضٍ كثيراً.

* بعد كل هذه الأفلام، هل ما زلت تشعر بالإثارة عندما تكون على «بلاتوه»؟

- لطالما عشقت ذلك، أحس بأنني في بيتي، إلى درجة أنه عندما أعمل أشعر وكأنني في إجازة. لديّ مساري الروتيني، أقوم بالأشياء دائماً ضمن نظام ما. أذهب إلى البلاتوه، أتحضّر، أراقب ما يحدث حولي، أنظر إذا كانوا يصوّرون، أعيد قراءة نصي، بين مشهدين، آخذ قيلولة، أقوم ببعض الاتصالات الهاتفية.

* هل ما زلت تتذكر أول جملة قلتها في السينما؟

- كان ذلك في «The wedding party» لبريان دي بالما، حيث كنت ألعب دور الشيطان.. (يفكر ملياً) كلا لم أعد أتذكرها بكل أسف.

* هل تحسّ أحياناً أنك رهينة شهرتك؟

- اعتدت عليها، وأقول في نفسي كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ، أنا واضح، أنا محظوظ على الحياة التي أعيشها.

* أنت تضع دائماً شاشة من الدخان بينك وبين الآخرين.. أخجلاً، أم للاحتفاظ بالغموض؟

- أحاول أن أحافظ على مسافة ما.

* غالباً ما يُقيم المال الناس: أنت تنتقد، وبشراسة دونالد ترامب، من أين يأتيك هذا الغضب؟

- لا أتحمّل الظلم! أنا غضوب، وأحسّ بعمق عندما أرى ما فعل ترامب في بلدنا وللعالم كله.. الناحية الإيجابية، لأن هناك واحدة، أنه يجعل الناس، وأنا منهم، أكثر وعياً لما يجب أن تكون الولايات المتحدة. لقد أيقظنا. يشير بالاصبع، من دون أن يقصد ما يجب أن تكون العدالة، وما يجب أن تكون ديموقراطيتنا.. إنه الشيء الجيد الذي صنعه منذ انتخابه.

* لو كان أمامك، ماذا عساك تقول له؟

- مستحيل أن يحدث في يوم ما أن أذهب وأشد على يده لشكره على أنه أخرجنا من ضياعنا وجعلنا نعرف إلى أي درجة نحن محظوظون أن نعيش في هذا النظام، حتى ولو اعتبرنا أن ديموقراطيتنا كاملة، لكن لنناضل بكل ما أوتينا للمحافظة عليه. عندما يصرخ ترامب: يجب أن نستعيد عظمة أميركا.. فهذا نوع من الغباء. يقول ذلك ليتزلف إلى قواعده. لم يعش كل حياته سوى للصحافة، فكيف يجرؤ هكذا أن يعاملها اليوم؟ والأفدح أنه قد يُنتخب مرة أخرى، أنتم محظوظون جداً بكون ماكرون رئيساً.

* ربما يفتقر الديموقراطيون إلى مرشح ديموقراطي كاريسماتي ضد ترامب؟

- لا أستطيع أن أتأكد من أننا نفتقر. فنحن في حاجة إلى شخص يواجهه فعلاً، كما يفعل ترامب مع خصومه.

* يشبه ترامب قليلاً ترافيس سيكل، شخصيتك في «تاكسي درايفر»، شخص منفصم وشيزوفراني..

- لا أجد تشابهاً، ترامب مهرّج، صدفة فارغة. فكرت بأن كل هذه الأمور السلبية التي يرميها على الناس «أنت جبان، أنت عاجز»، هي في الحقيقة عنه، معظم أفراد إدارته يبررون قراراته قائلين انهم يريدون حماية أميركا، لكنهم يدافعون، في الواقع، عن مصالحهم. بعض «الجمهوريين» الذين تركوا الحكومة ذهبوا إلى العمل الخاص، ويربحون أموالاً أكثر.

* هل أنت، برغم ذلك، متفائل بالمستقبل؟

- نعم، ليس عندي خيار آخر. أنا متفائل لكنني شديد الحذر، أتخوّف من أن يُقدم ترامب على عمل خطير. لم تكن البلاد في تاريخها على مثل هذا الانقسام، معظم الناس يتمتعون بحس التمييز بين ما هو خيّر وسيئ، ما عداه، فنحن نعيش شكلاً جديداً من الفاشية، وعلينا أن نكافح بكل ما أوتينا ضدّ ذلك. يجب التوصل إلى وضعه في مكانه، وإذا استطعنا أن نتخلص منه.

* ليكون الإنسان سياسياً جيداً، أيجب أن يكون ممثلاً جيداً؟

- إطلاقاً. لكن يجب أن يكون داخل الإنسان شعور ما، مشكلة ترامب أن الشيء الوحيد الذي يهمّه هو نفسه.

* روبرت ميتشوم (الممثل الأميركي)، قال لي أنه يحلم بأن يكون همنغواي، وانطوني هوبكنز بأن يكون بيتهوفن؟

- أقدّر هؤلاء الناس الذين يتمتعون بمواهب فائقة. لكنني أكتفي بأن أكون روبرت دي نيرو (يضحك).

* هل هناك موهبة تمنيت أن تمتلكها ولا تتمتع بها؟

- تمنيت أن أجيد الغناء، لكن أخاف أن يكون قد فات الأوان.

* أنت لا تحب أن توصف بالاسطورة.. لكن ومع هذا...

- ليس عندي عبادة الشخصية، أنا محظوظ بأنني موهوب. لطالما اعتقدت بأن الإنسان لا يصبح ممثلاً، بل يولد ممثلاً. في العاشرة من عمري كنت أعرف بأنني أريد أن ألعب، وتوقفت في الثانية عشرة، ثم بدأت من جديد في سن السادسة عشرة. لم أكن أشك إطلاقاً بما كنت أريد أن أفعل في حياتي، حتى يحالفني الحظ.. أو عندما يعاكسني.

(تقديم وترجمة ب.ش)