يجهد يوسف عبد الرحمن دياب، الذي نقل إحدى السيارتين المفخختين اللتين تم تفجيرهما أمام مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، في إقناع هيئة المجلس العدلي بأنه لم يكن على علم أن تلك السيارة التي قادها من داخل الأراضي السورية إلى طرابلس، كانت مفخخة، لكنه «يصطدم» باعترافاته في كافة مراحل التحقيق عندما فجّر السيارة بنفسه بواسطة هاتف خلوي سلمه اياه «عمّو حيّان»، وما الأخير سوى المتهم الفار حيان رمضان الذي نقل عنه الموقوف بأنه كان يتردد إلى سوريا بشكل يومي، ورافقه المتهم إلى سوريا لإحضار السيارتين المفخختين حيث قاد دياب إحداها وتولى المتهم الآخر الفار أحمد مرعي قيادة السيارة الثانية حيث مروا جميعاً على حاجز أمني «أفقده» المتهم دياب «هويته»، فهو «لا سوري ولا لبناني» إنما تحيط به أعلام لبنانية وسورية وصورتان لأمين عام «حزب الله» وبشار الأسد، وعلى ذلك الحاجز عناصر بلباس مدني إنما مسلحون، حدّد دياب نوعية السلاح الذي يحملونه، لكنه لم يستطع تحديد هوية هؤلاء العناصر الذين سمحوا للسياراتين المفخختين بالمرور من دون أي تفتيش، علماً أن المتهم رمضان كان قد نبّه دياب ومرعي بعدم التحدث مع العناصر «المجهولي الهوية»، الذين كانوا «بُكُماً» بحيث «لم يتحدثوا معنا ومررنا بسهولة»، وشعر حينها دياب أن «حيان كان معروفاً من العناصر، ما سهّل لهم المرور بحيث «استغرق دخولنا وخروجنا بالسيارتين بضعة دقائق»، من دون أن يثير هذا الأمر أي «شبهة» عليهم من قبل العناصر.

في جلسة الأمس، أنهى المجلس العدلي برئاسة القاضي جان فهد، استجواب دياب، الذي حرص على التحدث بالفصحى كما في الجلسة السابقة خلال رده على أسئلة جهتي الادعاء والنيابة العامة ووكلاء الدفاع عن المتهمين والأظناء الآخرين، ردٌّ أتيح له «التمعّن به»، خلال الوقت الذي كانت تستغرقه الكاتبة سامية التوم لتدوين السؤال الذي يُطرح عليه.

لكن جهة الادعاء التي تمثلت بالمحامي نهاد سلمى الذي حضر عن نقيب المحامين في الشمال محمد المراد لوجوده خارج البلاد، وكل من المحاميين لينا شحيطة ومحمد أبو ضاهر عن اللواء أشرف ريفي، «أجهضت» محاولة دياب التملّص من اعترافاته الأولية، حين ظهّرت التناقضات التي وقع فيها بين الإفادات الأولية والاستنطاقية وأمام المجلس العدلي، ليأتي جواب دياب، وبالفصحى أيضاً، في تبريره لتلك التناقضات: «ما ذكرته كان ترجيحاً»، وأضاف: «قلت في التحقيق ما يتناسب مع عدم شعوري بالخطر»، متذرعا بالتهديد الذي تعرض له في المرحلة الأولى من التحقيقات في حال بدّل إفادته أمام المستنطق.

يقول دياب، الذي استغرق استجوابه جلستين ومن دون محامٍ بناء على طلبه، في رده على أسئلة الجهة المدعية، إنه لا يعرف عن حيان رمضان أكثر من الذي يعرفه الشارع «كان معروفاً بأنه من مناصري النظام السوري»، أما عن المتهم الموقوف أحمد غريب فإن دياب لم يسبق له أن التقاه عند رمضان، حتى أنه لا يعرفه مطلقاً، وهو الأمر نفسه الذي ينسحب على المتهم الفار النقيب السوري محمد علي علي «فأنا لا أعرفه ولم يسبق لحيان أن تحدث عنه أو تطرق إلى أحاديث أمامه ذكر فيها اسم محمد علي».

أما عن لقاء حيان والمتهم المخلى سبيله حسن جعفر في مكان بعيد عن طرابلس، وذلك أثناء الطريق لإحضار السيارتين المفخختين، فيوضح دياب أن الرجلين التقيا في منزل جعفر في مكان لا يعرفه إنما ساروا مسافة طويلة من طرابلس، وقد لاحظ وجود آلية أمام منزل جعفر إنما لا يعرف ما إذا كانت جرافة أو حفارة.

وتركزت أسئلة الادعاء حول المنطقة التي أُحضرت منها السيارتان المفخختان و«هوية» الحاجز الأمني الذي مروا عليه، فما ذكره دياب في التحقيق الأولي بأنهم قطعوا على حاجز سوري ويرجح بأنهم أحضروا السيارتين من بلدة سورية، عاد أمس ليقول «إن الحاجز لم يكن يوحي بأي هوية محددة لأنه كان يوجد أشخاص مدنيون وآخرون بلباس عسكري، إنما شاهدت إعلاماً لبنانية وسورية في محيطه وصوراً لأمين عام حزب الله وبشار الأسد، وكذلك أعلاماً لحزب الله».

ويجهل دياب لهجة تلك العناصر على الحاجز «فهم لم يتكلموا معنا ومررنا بسهولة ومن دون تفتيش وذلك أثناء الذهاب والاياب».

هذا الجواب استتبعه سؤال الادعاء:«هل تعرف بزة الجيش اللبناني، فردّ دياب بالإيجاب «إنما لا يمكن تمييزها عن اللباس الذي كان يرتديه عناصر الحاجز الأمني من العسكريين».

وهل تعرف الشخص الذي ترجل من السيارة لدى وصولكم إلى المكان لاستلام السيارتين المفخختين، وهل هو محمد علي؟ أجاب دياب أنه لا يعرف الشخص الذي تحدث مع رمضان لدى وصولهم إلى ساتر ترابي ولم يكن قد شاهده مسبقاً، إنما كان بلباس مدني، ولم يكن صغيراً في العمر»، موضحا أنه «من الصعب علي أن أتذكر ملامحه».

وكان دياب قد اعترف في التحقيق الأولي بأن المتفجرات في السيارة التي قادها إلى طرابلس كانت موضوعة في الأضواء وفي الأبواب التي كانت ثقيلة وخصوصاً باب السائق، أما أمس فقد أنكر معرفته بأنها مفخخة بالقول: «أنا لم أكن على علم مطلقاً بوجود المتفجرات، وما قلته سابقاً كان ترجيحاً».

وماذا عن «الرائحة الغريبة» التي انبعثت من السيارة؟ فكان جوابه: «صحيح شممت رائحة غريبة ومزعجة واتصلت بحيان رمضان هاتفياً وطلبت منه تزويدي بزجاجة عطر، وهذا ما حصل ثم أعدت له الزجاجة»، وكان حيان يسير وراءه بسيارته فيما أحمد مرعي يقود السيارة الثانية المفخخة.

كان «عصيّاً» على دياب أن يحدد طبيعة تلك الرائحة الكريهة، لكن إصرار المستشار القاضي جمال الحجار على «معرفة» طبيعة الرائحة دفع دياب إلى القول: «كانت رائحة مازوت أو محروقات»، علماً أن دياب ذكر أولياً أن رائحة بارود انبعثت من السيارة فخاف واتصل بحيان الذي طلب منه أن يعطّر السيارة بزجاجة العطر التي سلمه إياها.

وتساءلت جهة الادعاء لماذا لم يُقدم المتهم على فتح نوافذ السيارة للتخلص من الرائحة «الكريهة»؟، وكان رد دياب: «فعلت ذلك إنما الرائحة بقيت».

ويؤكد دياب أن المتهم حسن جعفر واكبهم في طريق العودة لمدة عشر دقائق بعد استلام السيارتين إنما لا يعرف ما إذا لحق بهم عمداً أو أن جعفر كان يسير في طريقه.

وكرر المتهم ما أدلى به سابقاً من أن حيان رمضان كان يتردد بشكل يومي إلى سوريا، إنما أنكر أن يكون الأخير قد أعلمه بأنه يتردد إلى هناك قبيل إحضار السيارتين وبعد التفجير.

وبعد التفجير، يقول دياب إنه لم يشاهد حيان رمضان سوى مرة واحدة عندما قصده وأحمد مرعي بعد أن ساورتهما الشكوك حول السيارتين إلا أن رمضان طمأنهما «ما تعتلو هم انتو ما خصكم»، وكانت هذه الجملة هي الجملة الوحيدة التي نطق بها دياب بالعامية أثناء استجوابه أمس.

وماذا يقول عن إفادته الأولية التي ذكر فيها أن حيان لمّح له أنه سيستلم السيارتين من الجماعة فوق أي السوريين؟ أجاب دياب: «أعود وأكرر أنه لم يجر أي حديث عن أي موضوع أمني مع حيان رمضان، ولم أعلم مسبقاً أننا سنأتي بالسيارتين، وكلامي في التحقيق الأولي كان يتماشى مع ما قلته سابقاً عن شعوري بالتهديد».

كما أكد المتهم «أنه لم يكن يحوز جهاز تحكم عن بعد إنما هاتفاً خلوياً سلمه إياه حيان رمضان»، متراجعاً بذلك عن إفادته أمام المحقق العسكري التي ذكر فيها أن رمضان زوده بجهاز التحكم لتفجير السيارة عن بعد 300 متر واستخدام الهاتف لتفجيرها في حال كانت المسافة أبعد من ذلك.

وفي رده على أسئلة ممثل النيابة العامة القاضي عماد قبلان أفاد المتهم أنه لا يذكر رقم هاتف حيان إنما هو مسجل على ذاكرة هاتفه باسم «عمّو حيان».

وأفاد في رده على سؤال لوكيل الشيخ هاشم منقارة المحامي حسين موسى أنه عندما طلب من رمضان مساعدته للدخول إلى سلك قوى الأمن الداخلي رافقه إلى منزل المدعو أبو أحمد الذي قال عنه حيان إنه مقرب من مدير عام قوى الأمن الداخلي وإن أبا أحمد المذكور كان يضع في صدر الدار صورة كبيرة للواء أشرف ريفي.

وأكد بأنه لم يسبق أن شاهد المتهم حسن جعفر في منزل حيان رمضان، وذلك في رده على سؤال لوكيل جعفر المحامي سعود روفايل الذي لاحظ أن المتهم دياب قد أعطى إفادات متناقضة، ليعود المتهم ويؤكد أنه لم يسمع حيان يتحدث مع حسن جعفر أثناء لقائهم بالأخير في منطقة سهلية بعد أن تخطوا الجبال، عن سيارات أو ما شابه.

أما المحامية هيام عيد وكيلة الظنينين أحمد علي وشحادة شدود فركزت في أسئلتها للمتهم على علاقة حيان ومدى ارتباطه بمنطقة جبل محسن؟ ليأتيها جوابه بأنه تعرف عليه في أحد مساجد المنطقة، وأن حيان لم يكن على علاقة جيدة مع علي ورفعت عيد. ولم يتذكر المتهم ما دار بينه وبين والده في إحدى المرات، لتصيغ المحامية عيد سؤالاً آخر عما إذا كان والد المتهم هدده في حال لم يبتعد عن حيان رمضان، فأجاب: «لم يحصل ذلك على الإطلاق أنما والدي لم يكن راضياً عن تلك العلاقة ولم يطلب مني قطعها لأنه كان يريد أن أعيش في منطقة أخرى لأبعادي عن ذلك المجتمع». أما لماذا لم يعلم أي جهة بعدما ساوره الشك إثر التفجير؟ أجاب: «الخوف وقلّة الوعي».

وقرر المجلس رفع الجلسة إلى 18 كانون الثاني المقبل لمتابعة استجواب باقي المتهمين والأظناء.

(خاص "المستقبل")