يبدو أنّ المعادلة العسكرية على الأرض قد تغيّرت ليس فقط في غزّة بل أيضاً في لبنان، مع استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إحتجاجاً على وقف إطلاق النار لإنهاء يومين من القتال مع الفصائل الفلسطينية في غزّة، وانتقاده بالتالي مساعي التوصّل الى هدنة طويلة الأمد مع حركة "حماس". وتقول أوساط ديبلوماسية متابعة في هذا السياق بأنّ هذه الإستقالة لم تُعلن انتصار المقاومة الفلسطينية في غزّة فقط، بقدر ما أقفلت الباب حالياً على تنفيذ إسرائيل لتهديداتها المستمرّة للبنان، ولـ "حزب الله" فيه بشنّ حرب مقبلة عليه الى أجل غير مسمّى.

وصحيح بأنّه سيُصار الى تعيين وزير دفاع إسرائيلي آخر قد يكون أكثر سوءاً من ليبرمان، على ما أضافت، إلاّ أنّ استقالة زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" في هذه المرحلة بالذات التي حاولت فيها إسرائيل تأليب المجتمع الدولي على "حزب الله" من خلال ادعاءاتها بأنّه يمتلك قواعد صواريخ له قرب مطار بيروت الدولي، تُعتبر هزيمة لحكومة بنيامين نتنياهو، وبالتالي انتصاراً للمقاومة.

وتجد بأنّ الإتفاق الذي حصل بين الجانبين الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية بوساطة مصرية، يدلّ من جهة على أنّ إسرائيل باتت تخشى من الصواريخ التي تُطلق نحوها كون ثمّة صراع داخلي في حكومتها على اتخاذ قرار الحرب أو عدمه.

كما وأنّ الجانب العربي أصبح يؤثّر على قراراتها، ما يدلّ على إمكانية تطبيع بعض الدول العربية معها في المرحلة المقبلة، الأمر الذي قد يُعيد عملية السلام الى طاولة المفاوضات كبديل عن الحرب التي لا تلبث أن تُهدّد إسرائيل بشنّها في الداخل والخارج.

وبرأيها، فإنّ البلبلة التي ظهرت داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر حول مواصلة الجيش لعملياته وقبول وقف إطلاق النار، كشفت هشاشة الوضع الداخلي ما يدلّ على عدم جديّة التهديدات الإسرائيلية المتواصلة للبنان بشنّ حرب جديدة عليه، إذ قد يُوافق عليها الطرف الذي يُهدّد بها، في حين يرفضها آخر لسبب ما. ومثل هذه الخلافات داخل الكابينيت الإسرائيلي تصبّ في مصلحة لبنان، على ما رأت، رغم أنّ جميع المراقبين سبق وأن استبعدوا إمكانية حصول أي حرب جديدة على لبنان في الفترة الراهنة، رغم تهديدات إسرائيل وادعاءاتها أمام الأمم المتحدة لإدانة "حزب الله".

ولعلّ ما حصل أخيراً في قطاع غزّة، على ما أشارت، قد لقّن إسرائيل درساً جديداً، بعد حرب تمّوز- آب 2006 مع "حزب الله" حول أنّ اعتداءاتها على الفصائل الفلسطينية في الأراضي المحتلّة، وعلى ««حزب الله» في لبنان، لن يمرّ بعد اليوم مرور الكرام. فالمقاومة باتت جاهزة بشكل دائم للردّ على أي اعتداءات إسرائيل العبثية التي تطال المواطنين الأبرياء، أيّاً كانت الذرائع التي يُقدّمها الجانب الإسرائيلي للقيام بالهجمات الصاروخية أو سواها عليهم.

وذكّرت بما حصل في العام 2006 عندما هوت القوات الإسرائيلية البرّية أمام قوّات "حزب الله" عندما حاولت الدخول جنوباً عبر الحدود الى الأراضي اللبنانية وتلقّت الردّ المناسب عليها الذي دحر جنودها. ومنذ ذلك الحين، يبحث قادة إسرائيل العسكريين ما عليهم فعله لربح الحرب المقبلة على لبنان. أمّا خشية إسرائيل من أي زحف على مستوطناتها الشمالية من قبل عناصر "حزب الله"، في حال قرّرت البدء بالإعتداء على لبنان، فدفعتها الى بناء الجدار الإسمنتي الفاصل على الحدود الجنوبية.

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المقاومة أصبحت تفرض شروطها على إسرائيل رغم تعنّتها، وأعلمتها أنّه بإمكانها إلحاق الضرر والخسائر الكبيرة مادياً وبشرياً في صفوفها. فلم يعد باستطاعة إسرائيل تحقيق الإنتصارات وحماية مواطنيها وجنودها بشكل كامل وتام، على ما تعتقد، وهذا الأمر يجعلها تعيد حساباتها مرة جديدة. علماً أنّ نتنياهو الذي أدرك أنّه سيتكبّد الكثير من الخسائر وسيخسر موقعه في الإنتخابات البرلمانية المقبلة قد لجأ الى مصر سعياً الى طوق النجاة. غير أنّ أحداً لا يعلم ما ستكون عليه كلمة الشعب في هذه الإنتخابات خلال التنافس السياسي والحزبي على القاعدة اليمينية المتطرّفة.

من هنا، شدّدت الأوساط نفسها على أنّ شنّ إسرائيل الحرب على قطاع غزّة، أو على "حزب الله" في لبنان ساعة تشاء هو أمر يمكنها أن تقوم به، إلاّ أنّ استمرارها في هذه الحرب الذي لم يصبّ لصالحها جعلها تتراجع عنها. ولعلّ هاتين الخسارتين ستجعلانها تفكّر ألف مرّة لاتخاذ قرار شنّ حرب جديدة هنا أو هناك. كذلك فإنّ نتنياهو الذي يريد حصول إنتخابات مبكرة وأتته من ليبرمان، إذا عاد أم لم يعد إلاّ أنّ الجانب الإسرائيلي بات يعلم تماماً أنّ حلّ القضية لا يمكن أن يحصل بعد اليوم بالتهديد والوعيد وبالأسلحة والصواريخ المتطوّرة لأنّ المقاومة باتت تملك مثل هذه الأخيرة ويُمكنها بالتالي الردّ على أي تهديدات عسكرية أو سواها.

أمّا التطرّف الإسرائيلي، فلا يُمكن بالتالي تحقيق الإنتصار عليه، على ما أوضحت، من خلال الإبقاء على الخلافات الفلسطينية الداخلية، إنّما من خلال التضامن والتوافق فيما بين جميع الفصائل الفلسطينية في الأراضي المحتلّة، خصوصاً وأنّ البعض يرى بأنّ صفقة القرن تريد تكريس الإنقسام الفلسطيني الى الأبد من خلال عقد إتفاقات منفردة والإستفراد ببعض الفصائل الفلسطينية، ما قد يُفرز كياناً فلسطينياً مستقلاً في غزّة منعزلاً عن الجسم الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلّة الأخرى. كذلك من خلال التوافق داخل لبنان على استراتيجية دفاعية وطنية ضدّ اعتداءات إسرائيل وضدّ التنظيمات الإرهابية. وأكّدت بأنّ هذا الموضوع سيكون موضوعاً على طاولة الحوار بعد ولادة الحكومة الجديدة إذ لا يُمكن للبنان أن يبقى بعيداً عن وضع هذه الاستراتيجية للمرحلة المقبلة، سيما وأنّها تجمع بين الجانبين الإقتصادي والأمني والعسكري، ولا بدّ من التوافق عليها لمصلحة البلاد".

(الديار)