في بعض ما يجري تحت لافتة توزير "سنّة حزب الله" في الحكومة، تثبيت لأداء مألوف من قِبَل الحزب، حيث كل "مشكلة" ولو كانت صغيرة، هي بالنسبة إليه "قضية" وكبيرة! وكل "أزمة" تعنيه أو يفتحها هي من النوع الاستراتيجي حتى لو كانت تفصيلية وعابرة ولا وزن لها مهما وُضعت فوقها من تقالات التنظيم الحديدي وصواريخه ومخازنه السلاحية!

قياساته تتلاءم مع طبيعته.. وسياساته مدرّعة بطبقتين لا ثالث لهما: واحدة دينية وأخرى سلاحية. حتى لو أبدى وأظهر في تسويق ذلك نَفَساً مدنياً يتآلف في بعض الحالات مع "الظروف الموضوعية" المحيطة به.

عند أول" محطّة لا تناسب قطاره، و"كل" محطّة ينطبق عليها هذا التوصيف، يذهب من البداية إلى النهاية! ولا يتدرّج في الأداء تبعاً للموضوع المطروح بل يقولب ذلك الموضوع وفق ذلك الأداء، بحيث تنسى الناس التفاصيل وتُصدم فوراً، بالجذر التأسيسي، فتحضر العموميات والبديهيات ومعهما السلاح "ووهجه"، والفتنة وأفاعيها، والفسطاطين وعناوينهما! و"المؤامرة" الكبرى على "المقاومة" و"أدوات" تلك المؤامرة! وتنزل أميركا كلها وربيبتها إسرائيل و"الرجعية العربية" ويُضاف إليهم "الإرهاب التكفيري" وحواضر من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني المدعومة والمموّلة من جهات غربية خبيثة حُكماً.. تنزل كل تلك "الأدوات" إلى ساحة معركة توزير نائب في حكومة لبنان! باعتبار أن هذه "معركة" أولاً! وجزء من حرب مفتوحة لإطفاء الأنوار المشعّة في ظلام العرب والمسلمين! ولمنع القوى الناهضة من إكمال النهوض! ولفركشة السائرين المتّكلين على رب العباد لـ"تحرير" الأرض المستباحة! وإعادة الحق إلى أصحابه! وتركيع الغزاة العتاة عند أبواب "الأمّة الممانِعة" وبنيانها المرصوص! والمدكوك دكّاً لا تقوى على تفتيته وترميده الأساطيل والطائرات العدوّة! ولا طابورها الخامس المتأهّب دائماً لملاقاتها من الداخل لتسهيل سعيها من الخارج!

قيل سابقاً ويُقال مجدّداً، إنه "يأتي" إلى السياسة بأثواب عسكرية، ويدبّ في مجتمع مدني متنوّع ومختلط ومنفتح ومفتوح وكأنه يدبّ في ثُكنة مقفلة ومرصوصة، ونقاء رُوّادها لا تخطئه عين! بيانه الإعلامي يشبه النفير في كل حين! ومواقفه المعلنة تُسبك على طريقة أمر اليوم! لا يجد نفسه مضطراً لتفسير وتبرير قراراته بل يستهجن "مناقشتها" أصلاً والاعتراض عليها فرعاً! والصوت عنده لا يجوز أن يكون أقلّ وقعاً من إطلاق صاروخ أو انفجار قذيفة! والتعبئة المستدامة مفتاح للنجاح وشرط متمّم ومكمّل لتحقيق "الانتصارات" و"المعجزات".. ميزانه دائماً في يديه وليس مشاعاً لقياس الصحّ والغلط. هو الذي يقرّر شروط الحسبة وكيفيتها! وهو المؤهّل وحده لبناء المحكمة وتعيين القضاة وإصدار الأحكام وتوزيع صكوك البراءة أو الإدانة على "مستحقّيها"! وهو الذي يملك ويُعطي، ولا حقّ لغيره أو عند غيره لادّعاء "التنازل" طالما أن هذا الغير لا يعرف "حدوده" أو لا يعرف أن ملكه ليس ملكه "وحده"!

تكتيكاته في "المعركة" التوزيرية الراهنة تشبه تكتيكات العسكر في ساحة حرب: يرمي على الهدف بالأسلحة الثقيلة لضمان صعق "العدو" قبل الانقضاض عليه بالمشاة حاملي الأسلحة الفردية!.. رمى مواقفه السياسية بصخب شكلي ومعمّق بمفردات يوم القيامة! ثم بالمفاصل الزمنية الحاسمة: ما قبل وما بعد! ثم بالمعيار الأخلاقي البتّار: أوادم وزعران! وحاصل ذلك كله مسنود بالقوّة الأكيدة التي لا يجوز لأحد أن "ينساها" أو يتغافل عنها! والأصبع المرفوع يوازي نبرة الصوت وحدّته، ويؤكّد "مصيرية" "المعركة" وأهمية "القتال" فيها: توزير جهاد الصمد أو فيصل كرامي بأهمية تحذير بنيامين نتنياهو من ارتكاب "حماقة" عدوانية جديدة لن يخرج منها سالماً مُعافى بالتأكيد العنيد في مقابل أننا في لبنان سنراكم "الانتصارات" فوق بعضها البعض وسنضع الفائض منها "فوق" الخزنة التي ضاقت بما فيها أصلاً جرّاء ملاحم وواقعات اليمن والعراق وسوريا!

.. في البال دائماً، أن الشعوب المحظوظة هي الشعوب الذكية! التي أقامت الدول وأطلعت العمران، وأبدعت في العلوم، واعتدلت في خلقها على سوية العيش وتنظيم شؤونه، وعملت بالخلاصة اليونانية الخالدة عن وجوب الدراية بالنفس أولاً، بما يعنيه ذلك من تهذيب للأنا المتضخّمة، وترويض للغريزة، وتفخيم للتواضع، ومعرفة للفرق بين أبواب الحكمة وأبواب التحكّم وبين الدائم والعابر وبين الحق والجور والمهم والأهم..!

علي نون