كأنه فيلم وثائقي وأكثر من وثائقي، لعبة المكان والإنسان، والكارثة، والحرب. المخرج الايطالي نفذ فيلماً بعنوان «طريق سافوني» (في غزة) واستغرق عمله أكثر من خمس سنوات. دخل إلى إسرائيل عن طريق مصر، وصولاً إلى غزة لأنه يُمنع الدخول إلى هناك بكاميرا. صوّر مئات الصور للدمار، والناس، وأخذ آرائهم، وعاش معهم، وركّز على شخصيتين، الفتاة الصغيرة أمل، وشقيقها (المفتاح للفيلم) فؤاد، وقد عاشا مجزرة الزيتون التي ارتكبها العدو الصهيوني، أخذ منهما الكثير، وعايش سلوكهم، وغضبهم وهدوءهم. ثم عاد مرة أخرى إلى غزة واستكمل عمله. الجديد أنه استعمل طريقة التوثيق وكذلك «التحريك» في عملية مزج رائعة، في إطار كاميرا 3D للإشارة أن مجزرة «الزيتون» في غزة هزّت المخرج، وجاء ليكون مبدعاً وشاهداً على وحشية الصهاينة.

- الفيلم: إنتاج مشترك فرنسي وايطالي الإخراج والصورة، لستيفانو سافونا.

- الإدارة الفنية للتحريك سيمون ماسي

- كتابة: ستيفان سافونا، وليا ميسيوس

- بدأت عروضه قبل أيام من شهر تشرين الثاني

خصصت له مجلة «دفاتر سينمائية» الفرنسية، ملفاً نقدياً، وشرحاً للفيلم وظروفه، وحواراً معه، هنا معظمه إلى العربية.

ب.ش.

* حققت في غزة عام 2009 فيلماً وثائقياً بعنوان «Plomb Durci»، أي علاقة بفيلم «ساموني رود»؟

- عدت أثناء الحرب في جنوب غزة، من الحدود المصرية، كحركة بحث، لأنه لم يسمح لنا بالدخول مع كاميرا. صورت كل يوم أفلاماً قصيرة أضعها ضمن السياق، أردت أن أروي الحياة اليومية أثناء الأزمة. خرجت إلى الشوارع، وعنيت جيداً برواية تجربة سكان المنطقة المقصوفة. إنها مادة «Plomb Durci»، غداة وقف إطلاق النار ذهبت إلى «Gaza city» حيث سمعت لأول مرة عن مذبحة الزيتون. وبعد ذلك أصبحت عائلة سيموني أحد الرموز. تدفق الصحافيون عبر إسرائيل، بعدما فتحت لهم الحدود. بدأت أهتم بهذه القصة. كان شيء ما مختلف بالنسبة إلى ما عرفته عن الحرب، ربما بسبب الأصول الريفية لعائلة سيموني، هذه الطريقة في الرواية لم التقها أبداً.. وكانوا محقين بكل غضبهم لكنهم التزموا الهدوء، القصة المهداة من فؤاد تحت الزيتون، صورتها بعد عدة أيام من المذبحة.

* وللفيلم طريقة ناعمة في تأليف عدة مفاهيم للوضع، كيف توصلت إلى هذه الطريقة؟

- بحثنا عن نوع من المرونة، لأن المكان حقل ملغم.. الفكرة تمثّلت بإعطاء نقاط مرجعية. ويصوّر الفيلم أيضاً ضياعنا، المسار الذي قطعنا لإيجاد الإخراج. الفتاة الصغيرة أمل، تقول ذلك في البداية: كيف نروي هذه القصة؟ كانت المفتاح. الانطلاق من ذاكرة جعلتها الكارثة مضطربة، لإعادة بنائها. وهذا ما يمنحنا حرية إعادة تخيل كل شيء، حيث حيث تكثر الكليشيات الإعلامية. لا نعود إلى غزة أم الصور، فكل معلومة، كل جملة مهددة بتأويل: لحية، كلمة «الأرض» كل شيء مفسر تفسيراً مبالغاً.

* كان هناك إذن محركان: الذاكرة الصعبة ومواجهة الصور الجاهزة؟

- الواحدة تجيب الأخرى. الذين نجوا تنقصهم الكلمات، والأمر متصل بعدم الضغط على الكلام في تحقيق فيلم وثائقي. في زلزال أمل، كان هناك أيضاً طريقة للرد على المعاني المستخدمة بالمعاني. كانت تعرف أنني أجيد العربية جيداً. صوّرنا عدة مشاهد من دون مترجم، وكان عليها التركيز على أمكنة وأمور، تقول كلمات بسيطة: نحن خلال تحقيق علاقة الأمكنة بها قد فهمت إلى أي وجهة يمضي الفيلم. لكن جاءت الرغبة الأولى مع مشهد فؤاد، شقيق أمل، يعيد بناء قصة الحي انطلاقاً من النباتات. فهمت بعدها أنه ورث فن السرد هذا من والده، منذ 2010، حققنا نسخة مدتها ساعة عن هذه اللحظة.

المونتاج

* ماذا فعلت بهذا المونتاج الأول؟

- كان جزءاً من مجموعة أوسع مع منتجة الفيلم ومنفذة المونتاج بنيلوب بورتولوزي، صوّرنا نحو عشرين ساعة مع صور 2009. كان يستغرق وقتاً للفصل بين الأفكار المشبعة عن غزة، الحرب، الشهداء.. فصل الركام، بعيداً عن المجازر الذي هو من طبيعة دعائية. وضعنا هذا المونتاج جانباً، وبعد عام، كان هناك الزواج الذي يختم الفيلم الذي ذهبت لأصوره، وبقيت هناك شهراً ونصف، كنت أرى شيئاً يرتسم في عودة الوضع الطبيعي إلى الحي، قصة أخرى تهيمن.. وفهمت أيضاً أن فؤاد كان قادراً على الرواية كما كان يفعل، لأنه في غضون ذلك، كنت بدأت في عمل في صقلية، أرشيف مصور للذكرى الريفية التي أدت إلى مقالات (180 حتى اللحظة)، مع رعاة عجائز ومزارعين، وصيادي سمك، هنا أيضاً، اهتمامي الأول يكمن في الطريقة التي يروون فيها حياتهم، في المقابل عندي شعور في عودتي إلى غزة بالتعرف إلى هذا الخطاب لعائلة سيموني.

* عندما عدت إلى غزة عام 2010 هل فهمت أنك تحتاج إلى تحريك لتصوير هذه الأساطير العائلية أو المجتمعية؟

- لا، كان مبكراً جداً. كانوا يقدمون لي قصصاً طويلة جداً وجميلة، وما زلت أعتقد بأنه يصلح بغير كلمات. في غضون ذلك حدث «التحرير». تساءلنا إذا كان بالإمكان تحقيق فيلم من عشرين دقيقة، ربما، كان يمكنني تصوير نوع من المسلسل الوثائقي: أحياناً نمضي وقتاً في اليوتيوب، في القفز بين فيديو إلى آخر، وهذا أكثر تشويقاً من فيلم.. إذن، لدى العودة إلى غزة، كنا نمتلك هذه الكمية من الصور والكلام. كنت أحفظ غيباً قصة كل واحد من التسعة والعشرين عضواً من العائلة.. سموني ضحية الهجوم. راجعت صور جنازات 2009، المطبوعة على يافطات شهداء، وكنت أقول لنفسي: يجب تجسيد هذه الوجوه. كيف العمل؟ الجواب الوحيد كان التحريك.. وتنفيذه مع ممثلين كان استغرق وقتاً طويلاً. لكنني لا أعرف، التحريك، وما كنت أعرف كيف ادرجها في الواقع الوثائقي.. هزة أمل باتت دليلي فهمت أنه كان رأيها ما يجب تحريكه وترك ثلاثة أرباع قصص الحي. عملت مع ليا ميسيوس (مخرجة آفا عام 2017) التي تكتب الكثير من حكايات السحرة، وعندها شخصيات أطفال مميزين في أفلامها. ساعدتني على إيجاد وجهة نظر آمال انطلاقاً من كل المواد التي كدسناها.. أعدنا بناء ذاكرة هذه الطفلة، كنت أحتاج إلى أحد ما يعمل في الخيال، ليعطيني الحرية لعبور هذه المسافة.

* وهي تقنية جذبتك؟

- إنها القوة الفائقة الموجة، تجسيد المادة الذي يخلفها.. رؤية هذه الصور جعلتني أعتقد أن الأمر سيمشي إلى جانب صور وثائقية، على معظم التحريكات خلق عوالمها، والإصرار عليها لأنه ما إن نعود إلى الواقع، ينهار الوهم..

فبينما كان هناك «تشويش»، فهي الصور على مستويات مختلفة، وحتى من الطبيعة ذاتها.. يعني الناس الذين ينكشون، هناك فلاحة عند سيمون، يعملون العمل ذاته. فالمادة التي تستخدم تشبه الأرض، ولسنا بعيدين عن بعض الفنانين مثل انسيلم كيفر. نتشاجر مع الواقع، نتحداه. على صور سيمون تتنازع مع الواقع البالغ القسوة، إضافة إلى أنها كاميرا فيديو واحدة قديمة جداً.

* انطلاقاً مماذا كانوا يعملون؟

- سيمون ومساعدوها كانوا يحتاجون أن أعطي أساساً للعمل، وأن لا يكون عملاً عادياً بالنسبة إليّ. أعدنا البناء بالقدر الممكن، انطلاقاً من توثيقات فوتوغرافية، كل الحي وكل الشخصيات بكاميرا ثلاثية الأبعاد. وهذا ما خدم أساس التحريكات،إنه مزيج من صور واقعية، لبعض التفاصيل، مخطط عصافير مثلاً. إنه عمل ضخم، لم يصنع مثيله قبلنا بين إعادة بناء رقمية، وتحريك سيمون ماس، هذا الجزء من الفيلم استغرق أربع سنوات، قمنا به أولاً لأننا قد لا نعود إلى غزة لتصوير هذه المشاهد، ذلك لأننا نريد الحقيقة النهائية للحي، والتشابه الفيزيائي، في صور الثلاثة أبعاد، فقد بات للشخصيات وجوههم، معالجة انطلاقاً من الصور الفوتوغرافية. لكن كان مؤكداً أن هذه المرحلة من العمل ستبقى مخفية، أنا أكره «كاميرا الثلاثة أبعاد».

* كان هناك إذاً قصة بفبركة صور «3D»؟

- كلا! كنت أشتغل كوثائقي، أتجول بالكاميرا الافتراضية كأنما في لعبة فيديو.. إذاً «صورت سينمائياً» بطريقة مرتجلة داخل فضاء «3D»، وبمشاهد زمنية حيث حركنا أكثر من العناصر مما نرى في الفيلم، لأنني كنت أريد أن أتمكن من الاستدارة يميناً ويساراً، أو إدامة مشهد واستمر في إيجاد شيء، أحياناً حتى أنني لم أرد أن أرى مكان «3D» قبل التصوير.