لم يعد خافياً على احد ان العجز وتفاقمه المخيف وانعكاسه على المستوى المتصاعد لنسب الدين العام الى الناتج المحلي، هو الخطر الاكبر الذي يواجه اقتصاد لبنان في ظل تقلص الفسحة المالية وضعف النمو وبلوغه مستوى لم يعد كافياً لامتصاص العجز، ما أدّى إلى رفع الدين العام ومعه خدمة هذا الأخير. كما لم يعد خافياً على احد ان الاصلاحات المالية والبنيوية والقطاعية هي سترة النجاة الوحيدة لمنع الاقتصاد من الغرق، وبصيص الامل الذي يتعلق به اللبنانيون.

«خفض العجز هو الإصلاح الأهم المطلوب إذا أردنا إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد وضبط التضخم وخلق فرص عمل جديدة»، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامه من بكركي، ليضيف ان «العجز لا يولّد نموّا ولا وظائف ويضرّ بالإقتصاد، لانه يحرم القطاع الخاص من موارد تعزز الإستثمار وتؤمن الوظائف».

من هنا، يمكن فهم المطالبة الجامعة، داخليا وخارجيا، بوجوب تنفيذ نتائج مؤتمر «سيدر» وبالتالي الدعوة الى تشكيل حكومة سريعا لبدء هذا المسار.

فالحكومة تعهدت في «سيدر» تصحيحا ماليا من شأنه ان يضع مسألة الدين العام على مسار اكثر استدامة، وذلك من خلال خفض العجز الى الناتج المحلي بواقع 5 في المئة على خمس سنوات بما يعادل 2.5 ملياري دولار اميركي، مع تحديد اجراءات لبلوغ هذا الهدف. فخفض العجز سيساهم بالطبع في ضبط تورم الدين العام وتقليص نسبته الى الناتج المحلي الاجمالي، وبالتالي سيعيد الثقة التي تأذت كثيرا مع الازمة السياسية الراهنة وعرقلة تشكيل الحكومة بدليل تباطؤ النمو في ودائع القطاع الخاص الى 2.8 في ايلول 2018 من 3.8 في المئة في 2017، و7.2 في المئة في 2016.

سيناريوهان وضعتهما الوحدة الاقتصادية في «بلوم بنك انفست» عن مدى استدامة الدين لتقويم مدى قدرة لبنان على التحمل. الاول من دون اصلاحات يؤدي الى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 175.6 في المئة عام 2022. والثاني مع تنفيذ اصلاحات مؤتمر «سيدر» تساهم في بلوغ نسبة الدين العام الى الناتج المحلي إلى 139.7 في المئة عام 2022.

لقد اخذ السيناريو الاول الأساسي في الاعتبار سلسة الرتب والرواتب التي قدرت تكلفتها بـ1.2 مليار دولار والتي يتم تمويلها من خلال حزمة من الزيادات الضريبية (الضريبة على القيمة المضافة من 10 في المئة إلى 11 في المئة، الضريبة على أرباح الشركات من 15 في المئة إلى 17 في المئة، وزيادة في الضرائب على فوائد الودائع من 5 في المئة إلى 7 في المئة). كما أخذ في الاعتبار التراجع في توقعات النمو الحقيقي الى 1 في المئة، والارتفاع الاستثنائي للايرادات الحكومية في العام 2017 بنسبة 17 في المئة بسبب فرض ضريبة بقيمة 850 مليون دولار على أرباح المصارف الناتجة عن عملية المقايضة مع المصرف المركزي والضرائب الجديدة لتمويل الزيادة في سلسلة رواتب واجور القطاع العام. كما أخذ في الاعتبار ان ضريبة القيمة المضافة زادت ايراداتها بنسبة 9.71 في المئة على أساس سنوي في النصف الأول من عام 2018، لكن هذا السيناريو لا يتوقع ان تستمر ايرادات الضريبة على القيمة المضافة في الارتفاع للعام بأكمله 2018 لاقترانها بنمو متباطئ.

كما أخذ السيناريو الاول في الاعتبار ان الفائض الاولي الذي تحقق في 2017، بقيمة 1.43 مليار دولار في نهاية العام 2017، غير كاف لتمويل الدين وخدمته، وانه من أجل تغطية خدمة الدين يجب ان يرتفع الفائض الاولي من 2 في المئة الى الناتج المحلي إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

اما السيناريو الثاني فكان متفائلا لأنه يفترض إدارة مالية أسلم معززة بتنفيذ الإصلاحات التي تم التعهد بها خلال مؤتمر «سيدر». ويفترض هذا السيناريو ارتفاع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ووضعاً مالياً أقوى مع بدء النفقات الاستثمارية المقرة في «سيدر» ﻓﻲ إﺿﻔﺎء قيمة ﺘدريجية ﻋﻠﻰ اﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ اﻋﺘﺒﺎرا ﻣﻦ ﻋﺎم 2019. ومن شأن هذه الاصلاحات ان تعيد الثقة وهذا سيؤدي بدوره إلى انتعاش تدريجي لودائع القطاع الخاص. في هذا السيناريو، يتم استعادة نمو ودائع القطاع الخاص إلى المستوى العادي اي 7 في المئة بحلول عام 2022. علما ان خدمة الدين في هذا السيناريو مماثلة للسيناريو الاول لانه سيتم الحصول على اموال «سيدر» بفائدة زهيدة. لذلك فان نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في السيناريو الثاني ستنخفض من 147.3 في المئة في عام 2017 إلى 139.7 في المئة في عام 2022.

من هنا، تأتي أهمية التعجيل في وضع «سيدر» على قطار التنفيذ للبدء باصلاحاته التي لا بد ان تتقاطع مع قوانين واجراءات تحسن مناخ القيام باعمال في لبنان. فهذه الخطوة كفيلة بان تحفز الاستثمارات للمشاركة في مشاريع «سيدر» الكثيرة والتي للقطاع الخاص حصة كبيرة فيها، وهذا ما يدفع الى نمو اقتصادي يمتص الدين العام.

(خاص "المستقبل")