خلت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية من المفاجآت الكبيرة.. وزَمَط دونالد ترامب من وضعية البطّة العرجاء التي كان يمكن أن يُصاب بها فيما لو كانت نتائج الديموقراطيين "أفظع" من التي سمحت لهم بالتفوّق في مجلس النواب.

لكن تلك النتائج دلّت على مفارقة كبيرة هي إظهار الفصل بين "نجاح" الإدارة في البيت الأبيض، و"فشل" رئيس هذه الإدارة! وكأنه ألدّ أعداء نفسه هذا الترامب! والقادر الوحيد على إلحاق الهزيمة بها تبعاً لسلوكياته البرانيّة. وحدّة ازدرائه "الرأي العام" وشدّة اندفاعه وعدوانيّته وافتقاده المرونة المطلوبة لمن هم في موقعه الخطير كي يُبقي للموقع "هيبة" لا بدّ منها! ويحفظ مساحة من الرحابة الكافية لاستيعاب الأخصام تحت سقف الخصومة وليس فوقها حيث العداوة الحادة هي البديل الوحيد.

في الخطوط العامة نجح ترامب "الإداري" على ما يقرّ أهل الدراية والاختصاص، في أدائه الاقتصادي والمالي الداخلي.. وفي مقاربة المصالح الأميركية الخارجية وفق نظرة أنانية مزعجة للحلفاء التاريخيين لكنها مريحة للأميركي العادي كما للأميركي النخبوي كما للمالية العامة.. مثلما نجح أو يكاد في مقاربة القضايا الثلاث الخارجية الكبرى المتعقلة بكوريا الشمالية ثم بإيران مروراً بالنزاع العربي – الاسرائيلي وفق سياق "الاجماع" الداخلي وليس من خارجه.

وأمكنه (على الهامش) تأكيد وتنفيذ سياسة الحرب على الإرهاب بما يتلاءم مع مقتضياتها وعلى العكس من أداء سلفه السيّئ الذكر باراك أوباما الذي "توقّع" مرّة أن تستمر المعركة ضد "داعش" لسنوات طويلة!!

لكن في مقابل ذلك، وفي الخطوط العامة، "فشل" ترامب في تسويق نجاحاته! وبدلاً من البناء عليها لتدعيم موقعه وموقع الجمهوريين فعل العكس. وغلّب طبعه على دوره. وأسلوبه على سياسته. وفجاجته الاستعراضية على ما عداها حتى ركبت المفارقة: رئيس فاشل لإدارة (أو سياسات) ناجحة!

الحملة التي سبقت الانتخابات النصفية ثم نتائجها، كانت في عموميّاتها الغريبة استفتاء على "شخصية" ترامب أكثر من سياسته. وتلك في صناديق الاقتراع هذه المرة لم تحظَ بترف الفصل بينهما الذي مكّنه من الفوز في سباق الانتخابات الرئاسية قبل سنتين على منافسته هيلاري كلينتون.

هذا رئيس أعاد ترميم صورة أميركا في العالم بعد أن هشّمها أوباما. لكنه في موازاة ذلك أعاد برغم نجاحاته الاقتصادية والمالية والخارجية تظهير الانقسام الداخلي وبحدّة توازي تقريباً حدّتها أيام الفصل العنصري وإن بعناوين مختلفة تتعلق بالمرأة والإعلام والهجرة والخدمات الصحية.. سوى أنه من حسن حظّه، لم يواجه "شخصيات" ذات كاريزما وكبيرة كان يمكنها الاستفادة من خصاله تحديداً لإلحاق الهزيمة به. علماً أن تلك الخصال، وبرغم الجَلْد الأخلاقي النخبوي الذي تتعرّض له، هي الأكثر قرباً من الطباع الأولى لأكثرية الأميركيين: المليونير الناجح، الأبيض، الاستعراضي، المقتحم، الفجّ، الشاطر أمام الكاميرا، المتشاوف بالقوّة بلاغيّاً وواقعياً. العنيف، المباشر، الذكوري، المتديّن.. والفخور الدائم بأميركيّته وعظَمَة بلاده وريادتها وطليعيّتها!

ليس واضحاً من الآن كيف ستؤثّر الانتخابات الحالية على معركته لتجديد رئاسته بعد سنتين، لكن الواضح مبدئياً، هو أن نصف خسارته الراهنة ستجعله أكثر شراسة في الداخل والخارج، وفي بعض معاني ذلك ما يتعلق بحربه المفتوحة على إيران.. بدلاً من بطّة عرجاء، جاءت النتيجة بنمر جريح!

علي نون