تتجه الأنظار في مخيم المية ومية إلى مرحلة ما بعد خروج أمين عام «أنصار الله» جمال سليمان من المخيم ليس فقط على صعيد استعادة المخيم لحياته الطبيعية واستئناف الدراسة في مدارسه وعودة الروح لمرافقه ومؤسساته، بل على صعيد استكمال تنفيذ بنود الاتفاق والذي قضى بخروج سليمان خاصة ما يتعلق منه بإزالة المظاهر المسلحة وسحب المسلحين وإنهاء حالة الاستنفار في صفوف طرفي الاشتباكات الأخيرة «فتح» و«أنصار الله»، بما يساهم في تحصين ساحته واستقراره، وعبرها تحصين الساحة الفلسطينية في لبنان. وهو ما تعمل القوى الفلسطينية الوطنية والإسلامية على محاولة تثبيته من خلال أخذ المبادرة بإبقاء الوضع في المخيم على الأقل خلال هذه الفترة قيد المتابعة اليومية والإهتمام بكل تفاصيله بما في ذلك رأب الصدع المتسع في العلاقة بين مناصري «فتح» ومناصري «أنصار الله» من أجل تأمين الحد الأدنى من إمكانية التعايش بينهم ضمن المخيم حماية للإنجاز الذي تحقق بنزع كل فتائل التفجير التي كانت تهدد أمن المخيم والجوار وحفاظاً على القضية المركزية للشعب الفلسطيني وأفضل العلاقات مع الجوار اللبناني رسمياً وأمنياً وشعبياً.

خروج سليمان

بمواكبة أمنية من "حزب الله" وبأربع سيارات رباعية الدفع، أقلته و20 شخصاً هم عائلته (زوجاته الأربع وأبناؤه) وبعض من عناصره، غادر أمين عام «أنصار الله» جمال سليمان مخيم المية ومية بعيد منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء حيث سلك الموكب طريقا خلفية في محيط صيدا في وجهة أولى هي الضاحية الجنوبية لبيروت، بحسب ما ذكرت مصادر فلسطينية مطلعة، رجحت أن ينتقلوا بعدها إلى داخل الأراضي السورية.

وفق هذه المصادر فإن سليمان ودّع من بقي من مسؤولي وعناصر «أنصار الله» في مربعه الأمني داخل المخيم بكلمات مقتضبة بدا خلالها متماسكاً ليرفع من معنوياتهم، فقال إن «شيئاً لن يتغير في المخيم» بعد خروجه، وأنه «مش مطول»! الأمر الذي رجحت هذه المصادر أن يكون نوعاً من الحفاظ على تماسك عناصره في غيابه.

وعلمت «المستقبل» أن الاتفاق على خروج سليمان والذي كان يفترض أن يكون أحد بنود الاتفاق الأساسي على تثبيت وقف النار، تم وضعه بصيغة منفصلة عنه موقّعة من كلا الطرفين أي «فتح» و«أنصار الله» إلى جانب راعيي الاتفاق «أمل» و«حزب الله»، كونه يتضمن تفاصيل تتعلق بما هو مطلوب منهما في مرحلة ما بعد خروج سليمان، ويقضي ببقاء حركة «»أنصار الله في المربع الأمني للأخير وتولي المسؤول العسكري ماهر عويد مهام الإشراف عليها واحتفاظها بسلاحها، وتعهد الطرفين أي «فتح» و«أنصار الله»، بعدم نقض وقف النار أو استفزاز أحدهما للآخر تحت أي ذريعة والاحتكام في أي مشكلة قد تطرأ بينهما إلى الأطر الفلسطينية المشتركة عبر هيئة العمل الفلسطيني المشترك. وعلم في السياق نفسه، أن سليمان حرص على أن يصطحب معه من عناصره المقربين من يعتبرون خازني أسراره أو من يشكلون استفزازاً لـ«فتح» خاصة من كانت تطالب بتسليمهم، إلى جانب اصطحابه بعض الأوراق والمستندات الهامة بالنسبة اليه. وسبق خروج سليمان بوقت قصير تسلم حوالي ٢٥ عنصراً من حركة «انصار الله» تم استقدامهم من مخيم عين الحلوة لمربعه الأمني يتقدمهم المسؤول العسكري ماهر عويد.

وبعد ساعات على خروج سليمان، وتنفيذاً للبند الأخير من بنود الاتفاق على تثبيت وقف النار، سارعت حركة «فتح» لإزالة الدشم والتحصينات من بعض محاور القتال السابقة في المخيم وإنهاء المظاهر المسلحة تمهيداً لعودة الحياة إلى طبيعتها في وقت سجلت عودة عشرات العائلات التي كانت نزحت من المخيم إبان الاشتباكات الأخيرة.

ابو عرب

وفي جولة ميدانية لـ«المستقبل» برفقة مسؤولين في حركة «فتح» التي حافظت على مواقعها ونقاط انتشارها الأساسية في المخيم مخفضة من ظهورها المسلح خارج هذه المواقع، بدا كل شيء هادئاً، وسجلت حركة ناشطة لبعض الأفراد في رفع آثار الاشتباكات ولبعض العائلات العائدة متفقدة ممتلكاتها.

وحرص مسؤولو الحركة على تشجيع الناس على العودة واستئناف حياتهم الطبيعية. وأشرف قائد «قوات الأمن الوطني الفلسطيني» في لبنان اللواء صبحي أبو عرب على عملية إزالة هذه الدشم يرافقه مسؤول الارتباط العميد سعيد العسوس. إثر الجولة وصف أبو عرب الوضع في المخيم بالممتاز وقال «هناك ارتياح من أهالي المخيم لما حصل اليوم بعد خروج جمال سليمان ومن معه، ونحن من جهتنا باشرنا بإزالة الدشم لتعود الحياة الطبيعية لهذا المخيم وفتح المدارس والعيادات لتعود الحياة كما كانت في السابق بإذن الله». ونفى أبو عرب وجود أية نوايا انتقامية لدى مناصري «فتح» وقال: «نريد أن نحافظ على هذا المخيم وأهله. وبالنسبة إلى الأخوة في الجوار، نطمئنهم بأننا كنا عند رئيس بلدية المية ومية وفي وقت سابق التقينا بالنائب أسامة سعد والنائب السيدة بهية الحريري وإن شاء الله الأمور ممتازة ونقول لهم نحن وانتم واحد. كما نريد أن نحافظ على مخيمنا وأنفسنا نريد أن نحافظ عليكم. وستبدأ صفحة جديدة بل ممتازة. ونقول للأهالي الذين نزحوا تفضلوا وارجعوا إلى بيوتكم وقد تلقيت منذ قليل اتصالاً هاتفياً من الأونروا وقالوا إنهم سيأتون غداً ليقوموا بإزالة الركام والأشياء الموجودة داخل المدارس حتى تفتح المدارس أبوابها بإذن الله يوم الإثنين المقبل».

عويد

وفي الجهة المقابلة كان المسؤول في حركة «أنصار الله» ماهر عويد يتابع عن بعد عملية إزالة الدشم وبدت من خلفه صورة كبيرة لأمين عام الحركة جمال سليمان رفعت على واجهة أحد المباني. وقال عويد تعليقاً على الوضع: بعد الحدث المأساوي الذي حصل في مخيم المية ومية وبجهود إخوتنا في حركة «أمل» و«حزب الله» تم إزالة كل العقبات التي حصلت في المخيم واتفقنا على موضوع سحب المسلحين وإزالة الدشم لتعود الحياة إلى طبيعتها. ونحن نعتذر من شعبنا الفلسطيني على الأحداث التي حصلت والتي يجب أن تكون البندقية موجهة نحو فلسطين من أجل تحرير كل فلسطين من بحرها إلى نهرها. ويدنا ممدودة إلى أي اتفاق فيه مصلحة لشعبنا وقضيتنا وأهلنا وليس لدينا مصلحة اليوم إلا المحافظة على أمن المخيمات.

الفصائل

ولاحقاً صدر عن الفصائل الفلسطينية والقوى الوطنية والإسلامية بيان أشارت فيه إلى أنه وإستناداً للجهود المبذولة الفلسطينية واللبنانية، والتي أفضت إلى إيجاد الحلول الجذرية لأحداث مخيم المية ومية المؤلمة والمؤسفة قررت ما يلي: عودة الحياة الطبيعية إلى مخيم المية ومية، إزالة المظاهر المسلحة والمربعات الأمنية، فتح المدارس والعيادات والمحلات، عودة الأهالي إلى منازلهم، بلسمة جراح أهلنا والبدء بورشة لإصلاح الأضرار.