أزمة توزير "سنّة حزب الله" في الحكومة العتيدة المؤجلة، مرشّحة لأن تطول إلاّ إذا "إنتبه" مفتعلها إلى أنه يفتعلها ويخوضها وفق تكتيكات سابقة ومنتهية المفعول.

كانت "العادة" مبنية على أداء إيراني ابتزازي بالسياسة وغير السياسة. أو بتعبير ألطف وأخفّ وقعاً، مبنية على نيّة مقايضة في المواقع الاشتباكية مع الغربيين عموماً والأميركيين خصوصاً.. وكان لهذا التدبير (الإيراني) مسوّغاته ومبرراته.. إنطلاقاً من حقيقة أن الإدارة الأوبامية السابقة (والسيئة!) سمحت به! أو قبلت باعتماده. بل صارت تفترضه ملاذا تتلّطى فيه وخلفه لتفسير انزياحها عن سياسة معقولة ومقبولة وتلقائية هي رفض الأداء الإيراني التخريبي لاستقرار المنطقة والعالم والسعي إلى لجمه ومنع تفلّته أينما أمكن.

فتح باراك أوباما الباب واسعاً أمام ذلك الأداء بحجة لجم الطموحات النووية لكنه لم يستطع أو ربما لم يرد "تنظيم" العبور الإيراني من خلاله: وضعت طهران العصبة على رأسها ونفشت ريش طاووسها وانتشت بنجاح أوّل تجربة ابتزازية لها. بل أخطرها. أي إنها باشرت مشروعها لبناء القنبلة الإفنائية وفق حسبة ربح زائد ربح: إذا تمكّنت من الوصول إلى الانتاج الفعلي ستفوز بعضوية نادي الدول النووية وسيبدأ العالم بالتعامل معها على هذا الأساس! وإذا اصطدمت بالحائط مثلما حصل فعلياً، فإن ثمن "تنازلها" سيعني مكاسب استراتيجية لمصلحة مشروعها المرتجى كدولة محورية أو قطبية في مدارها ومحيطها.

مشى معها مستر أوباما حتى اللحظة الأخيرة. أخذ منها تجميد مشروع مستحيل أصلاً، وأعطاها من كيس غيره ما لا يملكه ولا يحقّ لها به.. وكلما تكربجت عجلات القطار على تلك السكّة، كانت طهران "تعالج" الخلل على طريقتها بالتأزيم السياسي وبالتوتير الميداني. ولكل فاصلة في مسوّدات النقاش والتفاوض ثمن على الأرض في العراق وسوريا واليمن ولبنان حتى ظنّت أن المسار اكتمل! وأن "نفوذها" صار مكيناً في "العواصم الأربع"! وأن الأميركيين والغربيين سلّموا بذلك.. وأن الوقائع التي استجدت صارت من النوع غير القابل للتعديل أو الكسر ولعقود آتية! وأن "الشعوب" المعنية سترضخ بطريقة أو بأخرى وستتأقلم مع "حقائق" ترسّخت رسوخ الجبال، وتدرّعت بسياسة دولية (أميركية) مخزية وانتهازية من جهة وببُنى وتشكيلات وتنظيمات مسلّحة و"مصورخة" وتترجم وطأتها في الميدان، من اليمن إلى سوريا مروراً بالعراق من جهة أخرى!

المشكلة الراهنة عويصة لأنها من خارج السياق: تغيّرت السياسة الأميركية لكن السياسة الإيرانية لم تتغيّر! وربما ليس هيّناً عليها أن تتغيّر بعد أن تمتّعت بكل الترف السابق! واعتادت على تسجيل "الانجازات" و"الانتصارات"! سياسة احتواء الهجوم بالتراخي والتسويات الموضعية الفرعية في العراق ولبنان، لم تجدِ أُكُلُهَا فكان لا بدّ من العودة ولو الجزئية إلى "التقاليد" الابتزازية السابقة: نفتح مشكلة سعياً إلى "حوار" في كيفية حلّها! سوى أن الطرف الآخر يرفض الاستدراج الجزئي! ويصرّ على "شمولية" الحرب! والسلّة المتكاملة! وهذا في جملته يعني نسفاً لجذور السلوك الإيراني وليس فقط لظواهره الهامشية العراقية واللبنانية والسورية واليمنية.. وغير ذلك!

بعض القراءات يضع الاستدراك الإيراني المعبّر عنه بمنع اكتمال الحكومة العراقية وتجميد إنتاج الحكومة اللبنانية، في خانة ترقّب المستجدات الناشئة عن قضية الزميل الراحل جمال خاشقجي وتداعياتها على العلاقات بين قوى التحالف المضاد لإيران، وقد يكون ذلك طبيعياً ومألوفاً وشغلاً سياسياً عادياً.. لكن ما "ستكتشفه" طهران أكثر فأكثر، هو أن شيئاً أيّاً يكن لن يُعدّل في الاستراتيجية المضادة لها ولا في الهدف العام الآيل إلى إنهاء "مرحلة" من التاريخ بدأت منذ أربعة عقود!؟

.. أزمة توزير "سنّة حزب الله" تفصيل محلّي صغير وطارئ على هامش قصّة إقليمية مركزية كبيرة، لكن تأثيرها لن يكون أكبر من حجمها. وعندما تنتبه جماعة إيران عندنا إلى ذلك، وإلى عبث التكتيك الابتزازي، تخرج حكومتنا إلى النور!

علي نون