قولة الرئيس الشيخ حسن روحاني عن "الالتفاف بفخر" على العقوبات الأميركية تشبه التفاف إيران و"بفخر" واضح أيضاً على سوية العلاقات الطبيعية والعادية بين الدول والشعوب والأمم في عالم اليوم!

بل إن التفاخر في ذاته هو شيء عضوي متين وسميك في الأدلجة الإيرانية الرسمية و"الثورية" العامة.. وصحبته أليفة وحميمة مع صيغ المبالغات والمكابرات في تلك الأدلجة المسبوكة على خلفية تاريخية كانت فيها "الامبراطورية" موجودة ومنتشرة ومتمكنة ومتقدمة على محيطها ويمكن أن تُبرّر بعض النفخ الكبريائي والاستعلائي!

والافتخار في المبدأ واللغة والمألوف هو صنو الانجازات الكبيرة والسعيدة، وتشهره الدول والشعوب من أبواب إيجابية عادةً، وعندما تحقّق ما يمكن أن تعتدّ به وتعتز وتتميّز وتتفرّد، أكان ذلك فتحاً علمياً أو تصنيعياً أو ثقافياً أو فنياً أو رياضياً.. الخ. وكذا الحال على مستوى الإبداع الفردي في شتى المجالات والمناخات.. غير أن الأمر في السياق الذي عزّزته "الثورة" الإيرانية لا يذهب على ذلك النحو. بل يبدو وكأنه في جانب منه مأخوذ بالتاريخ القومي والمذهبي وإن تناقضا في المضمون الباني للهوية الثقافية وذلك اشتمل على حدثين مأسويّين. الأول زوال الامبراطورية الساسانية، بالتدريج الذي كانت ذروته معركة القادسية، والثاني واقعة كربلاء التي جعلتها إيران أحد عناوين ثقافتها العامة.

ومأسوية الحدثين وكآبتهما، أنتجت على ما يمكن الزعم، نمطاً من التفكير المركّز حول الكوارث يشبه التركيز السكني والعمراني حول مصادر المياه أو المقامات والمقابر الدينية.. سوى أنه في ذروته الراهنة يمكن أن يُفسّر شيئاً من المصائب المتأتية من حقيقة أن الشيخ روحاني رئيس جمهورية إيران لا يجد بدّاً من الجهر بمدى "افتخار" بلاده بقدرتها على الالتفاف على عقوبات لا سابق لها في التاريخ الحديث! تماماً مثلما أنّ السرديّة النضالية التعبوية الشاحذة للهمم المُستضعفة والمُستهدفَة و"المُهيضة الجناح" التي لا تملّ قيادة طهران ولا تكلّ في تكرارها، تقول وتعتبر أن الدمار العميم اللاحق بدول وشعوب عربية وإسلامية من اليمن إلى سوريا وما بينهما هو تعبير مباشر عن مدى الاقتدار الإيراني! وانعكاس حيّ لقدرة "الثورة" على الانتشار بما يرسّخ نفوذ "الجمهورية" الطامحة لدور إمبراطوري مُستعاد!

ومثلما لا تلحظ هذه التشاوفات "تفاصيل" من نوع أن النفوذ المدّعى والمأمول يُبنى على حطام عرب ومسلمين! ويبطح بالأرض قيماً ومسلّمات إنسانية وأخلاقية ودينية جامعة! فإن تفاخر الشيخ الرئيس روحاني لا يلحظ المصيبة الكامنة في أن إيران وقعت في الجبّ! وإنها مُحاصَرَة! وتدفع أثمان غلواء قيادتها! وإن شعار الموت الذي رفعته في وجه "أعدائها" على مدى أربعة عقود أبقى هؤلاء أحياء! وقادرون! ومتفوقون! وعاملون بزخم على تمويت قدراتها هي، وإمكاناتها واقتصادها وأمنها الاجتماعي، وبالتدريج وعلى الناعم ودفعة تلوَ دفعة!

على أن ذلك لا يغيّب ملامح الواقعية المتغلّبة على الأوهام (الثورية!) في ردّ إيران على العقوبات.. وبعيداً عن المادّة التعبوية لـِ"المرشد الأعلى" وقادة "الحرس الثوري" فإن الأداء العام لا يخرج ولا يُتوقّع له أن يخرج، عن سياسة استيعاب أو محاولة استيعاب الحرب الناعمة والمفتوحة التي بدأت واحدة من معاركها الصعبة بالأمس تحديداً.. شعارات التحدّي ومظاهر استفزاز الأميركيين في ذكرى محاصرة اقتحام سفارتهم لا تخرج عن تقليد اتُّبِع على مدى السنوات الماضية. وهو وإن "عاد" هذه السنة تزامناً مع تصعيد العقوبات، لم يحجب ما يمكن أن تُسمّى ديبلوماسية الاستجداء التي تُتّبع إزاء الأوروبيين أو دول شرق آسيا وروسيا من أجل عدم الانصياع للإرادة الأميركية والذي يدخل في سياقها إغراء بيعها النفط بأسعار أقل من السعر العالمي الراهن!

"التفاخر" بالقدرة على خرق العقوبات ينقصه "تفاخر" بتضييع ثروات الإيرانيين على مشاريع وأوهام عظمَة ضيّعت ونكبَت ثروات ودولاً وشعوباً جُلّها ينطق بالشهادتَين!

علي نون