الأسئلة التي ستجد طهران نفسها مضطرة للإجابة عنها ليست كلها خارجية، ومسار العقوبات الذي انطلق بزخم استثنائي اعتباراً من اليوم يدلّ على "تخمة" غربية وعربية (وأوسع مدى في الحقيقة) من ممارسات نظام "الجمهورية الإسلامية" منذ نشأته قبل أربعة عقود، لكنه في واقع الأمر الذي يعرفه كثيرون من أهل ذلك النظام، يتآلف مع كون غالبية الإيرانيين "متخمة" بدورها من كمّ تلك الممارسات ونوعيتها وخلاصاتها! وتفترض شيئاً آخر آن له أن يظهر ويتمظهر ويُريحها ويجعلها "جزءاً طبيعياً" من عالم اليوم!

ويراهن الأميركيون والغربيون والمتضررون عموماً، في المنطقة العربية والإسلامية، شعوبها وكياناتها وأنظمتها وثرواتها وامكانياتها وثقافتها الإجمالية، على تغيير في سلوك أصحاب القرار في إيران تبعاً لانكسار أسس "الفلهوة" التنظيرية التي جرّبها غيرهم على نطاق أوسع وأكبر وأخطر، وهي دغدغة النرجسية القومية الطافحة بـ"إنجازات" خارجية كبرى و"عُظمى" للتعويض عن، أو لتبرير خواء النتاجات التنموية والاقتصادية الداخلية.. والاستمرار في الانغلاق المدكوك والمرصوص في عالم يتميّز بشدّة انفتاحه وشفافيته وتواصله وعلومه وتقنياته!

ليس سرّاً عظيماً القول إن نظام العقوبات محدود بسقف سياسي مُعلن هو عدم التدخّل لإسقاط النظام. لكنه مبني بعنف عقوباتي قارص يمكن أن يُطلق دينامية تغييرية من قلب النظام الجمهوري، أو من خارجه لكن من قلب إيران! وفي هذه المعادلة ما يكفي من افتراضات النجاح أكثر بكثير من المواجهة المسلّحة، عسكرياً أو أمنياً!

بل أن المواجهة المسلحة وخصوصاً وفق الأنماط التي تسرّبها إسرائيل وتريدها، قد تؤدي في واقع الحال، أكبر خدمة ممكنة لنظام طهران.. وتعفيه في الإجمال، من مسؤوليته عن وصول أمور الدولة وناسها إلى هذا الدرك من الأزمات والإقفالات والإغلاقات والحصارات! وتثبّت نظريته الأثيرة بأنه "مستهدف" من حيث المبدأ وليس بسبب سياساته وطموحاته وجموحاته.. وإن استراتيجية القتال في الخارج لحماية الداخل كانت صحيحة ومن حيث المبدأ أيضاً وليست وليدة رؤى غير واقعية وآتية من زمن آخر وأوصلت بالنتيجة إلى خواء مزدوج: "الثورة" التي يريد أهلها تصديرها إلى الخارج غير صالحة في أرضها أصلاً! والمثال الأيقوني الذي يريدون إشاعته عند أقوام الغير لم يثبت فرادته ونجاحه وريادته عند قومهم أولاً وفي الأساس!

وتساعد الفذلكة التبريرية المعلنة للعقوبات في افتراض نجاحها بتغيير السلوك النظامي الإيراني، وهذه في ذروتها تقول وعلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنها تستهدف ذلك التغيير في السلوك بما يوصل إلى "اتفاق جيد" بديل من اتفاق سيئ وضعه رئيس سيئ هو باراك أوباما، ويطال حزمة واحدة من أغصان عدّة: نووية وتسليحية صاروخية. وأدوار خارجية تُخرّب وتدمّر ولا تبني ولا تُعمّر.. ويُخرج في المحصلة إيران من دائرة الدول المارقة!

وهذه ليست عدّة حرب نفسية يمكن للضخّ القيادي المعاكس أن يحبطها أو يقزّمها، من خلال إطلالات "المرشد الأعلى" أو خطابات قادة "الحرس الثوري"، بل هي عدّة حسّية مادية ملموسة وتطال كل شأن حياتي مباشر لعموم الإيرانيين. وهؤلاء، حتى قبل الوصول إلى المرحلة التأزمية الراهنة، كانوا خرجوا إلى الشارع ضيقاً وتبرّماً ورفضاً وثاروا على "الثورة"! والمفارقة أن كباراً من أهل النظام كانوا السبّاقين في التحذير والتنبيه من مخاطر الاستمرار في الأداء المتّبع ووضعوا سلفاً مسؤولية التدهور في خانة القيادة الإيرانية، وليس في خانة "التآمر" الخارجي! وكان الرئيس حسن روحاني بنفسه ولسانه وشخصه في شباط الماضي صاحب أوضح تحذير من ذلك النوع عندما نبّه من مصير مماثل لمصير الشاه في حال لم يتغيّر الأداء داخلياً وخارجياً.. ولم يفترض أحد يومها، أن رئيس إيران يتوجّه بكلامه هذا إلى "الأعداء" في واشنطن أو في غيرها!

نظام العقوبات هو ردّ خارجي متكامل على ارتكابات أصحاب السلطة والقرار في إيران خارج إيران، لكنه يفجّر في وجههم أسئلة لجوجة لا جواب عندهم عنها، في شأن "ارتكاباتهم" داخل إيران!

علي نون