... وأخيراً ظهر مايسترو التعطيل من وراء كواليسه، حاملاً العصا التي يقود بها أوركسترا 8 آذار ليعزف سمفونية جديدة، بعدما انتهى «الآخرون» من سمفونيات «العقد»، من مارونية، إلى درزية، بعدما حلحل الرئيس المكلّف سعد الحريري تشابكاتها، وانخرط الجميع في التأليف حاصلاً كل منهم على ما يراه استحقاقاً له من الحصص الوزارية.. ولأن العقدتين «السُنِّية» و«الشيعية» غابتا فقد آن الأوان ليعزف على عقدة «سنّية» يطرحها شيعي. يا للانفتاح، ويا للاعتراف بالآخر، ويا كل هذه السماحة: في سوريا والعراق واليمن يُذبح السُنَّة بالآلاف، ويُهجّرون بالملايين، ويتواطأ الحزب مع قصفهم بالكيماوي والبراميل المتفجّرة (لم يستعمل بشار هذين السلاحين ضد «داعش»! أو ضد إسرائيل! فيا للشطارة!)؟ ذهب الحزب إلى سوريا بشعار مذهبي «حماية مقام السيدة زينب»، ليحوّل الثورة الشعبية العظيمة ثورة أهلية طائفية، تكون فرصة ذهبية لتغيير الديموغرافيا السورية لمصلحة أقليات النظام! فغرامه بالسُنَّة في بلدان عربية عدة فاق غرام قيس وليلى، فيا لهذه العاطفة «الأخوية – الإسلامية» الكريمة والنبيلة.

ولكي يكمل «حزب الله» انفتاحه على «السُنَّة»، ها هو اليوم يُطالب بإحقاق ما ليس حقوقهم، من خلال «نزع» وزير سُنَّي من لائحة الحريري، وإعطائها لسُنِّي، خصوصاً أن هؤلاء «الستة» مستقلون، وهو حليف أصحاب «الرأي الحر»، والسيادة الحرة، والموضوعية.

****************************

فجأة، وعلى غير ميعاد، عطّل كل شيء! إما هؤلاء «المستقلون» (عن لبنان والمرتبطون بنهجه الإيراني – السوري)، وإما «لا حكومة قسرية»، فلعبة الغدر من هواياته وطريقة تفكيره: فقد غدر بالرئيس سعد الحريري (بقمصانه السود وهو في الولايات المتحدة)، وغدر بالرئيس ميشال سليمان، عبر توقيعه بكل سرور «إعلان بعبدا» للنأي بالنفس، ولَحَسَه عندما أمره خامنئي بالتدخل في سوريا لإنقاذ بشار الأسد، وردّ على الرئيس بقوله «غلِيه وإشرب ميّاتو» شيء رائع! ثم غدر بالمحكمة الدولية، عندما وافق على إنشائها، ثم هاجمها «إنها محكمة إسرائيلية – أميركية»، عندما اقترب الموس من أعناق المتهمين من الحزب بقتل الحريري! ولا ننسى كيف غدر باللبنانيين والسوريين الذين استقبلوا وآووا المهجرين من الجنوب بعد حرب 2006، (وباللبنانيين في 7 أيار وكل الذين غزاهم) وبادروا بمواطنية كريمة إلى فتح منازلهم وأديرتهم ومنازلهم.. لهؤلاء الذين تسبب أولاً وأخيراً بتهجيرهم بعد حرب دمار شهدها لبنان و«انتصر» فيها الحزب!

أسوأ

أما هذه المرة فكان الغدر أسوأ والطعنة أنفذ، وكلنا يذكر كيف فرش «حزب الله» الدرب للحريري بالورود بعد تكليفه، وكيف عبقت عطور الوعود بتسهيل مهمته «لأن الوطن» (يقصد لبنان) في حاجة إليها بسرعة لمعالجة القضايا الاقتصادية الملحّة. وبعدما كلّف الحريري نبتت أمامه أشواك التأليف: من عقدة إلى عقدة؛ وزارات الأشغال والصحة والتربية والعدل.. ثم تفاقمت المحاصصة، وكان السيد حسن نصرالله أثناء تلك العُقد المسيحية، الدرزية، يدعو الجميع إلى التنازل «لتسهيل مهمة الرئيس» حتى بدا للداني والبعيد أنه حريص حقاً على «سرعة التكليف والتأليف»، ولكن كان المايسترو من خلال كل هذه الوجوه، غير بادٍ، ولا حتى منتظر.

الوعد

فقد وعد الحريري بمساعدته على التأليف وها هو يوفي وعده! و«كلمة الحر دين»! لكن فجأة بدأت «عصا» المايسترو تتبدّى من خلال كل ذلك في أزمة وزارة العدل: وافق الرئيس عون على إعطائها لجعجع.. وبدا أن الأمور تتحلل بعد حل العقدة الدرزية، وطرح الكثيرون أسئلة «مَن أشار» إلى انتزاع هذه الوزارة من جعجع؟ شك العديدون بحزب الله! فـ«العدل» للرئيس! وعادت إلى الرئيس! عال! وعمل الحريري بصبر أيوب على تفكيكها، وظنّ الناس أن «عقدة القوات» صارت الأخيرة، وهنا انخرطت الأقلام الصحافية المرتبطة به «السعودية لا تريد حكومة، وسمير جعجع يسعى إلى تعطيلها!».. وجدّد الحريري صبره في محاولات حثيثة لإيجاد حل ليقنع «القوات» بدخول الحكومة.. وهذا ما تم. لكن الملاحظ أنه «عشية» المفاوضات بين الحريري و«القوات»، أحسّ الحزب بأن هناك بوادر إيجابية: هنا بالذات، وخلافاً لكل توقع، أكد مطالبته بتوزير أحد «سُنِّته» في الحكومة من حصة الحريري طبعاً! ظن بعض الناس أنها مناورة، لكن «المايسترو» جاء من النافذة الشيعية «لينصر» النواب «الستة» (حلفاءه)، المظلومين. هنا زالت كل المساحيق، والأقنعة، وظهر وجه الحزب على حقيقته: غدر بالجميع ولم يغدر فقط بالحريري، غدر بكل الذين وافقوا على دخول الحكومة (بمَن فيهم حركة «أمل») وكأنه بذلك يردّ على مرونة الرئيس بري، وجهوده الحثيثة لتأليف حكومة بأسرع وقت ممكن!

الطعنة

إنها الطعنة النجلاء.. يريدها «حزب الله»: إما أزمة طويلة في انتظار نهاية الانتخابات الأميركية في منتصف ولاية ترامب، وهكذا أشارت إليه إيران، التي تنتظر عقوبات أشد من ترامب. فإذا ضَعُفَ ترامب يكون عندها «أمل» بتخفيف الهجمة على إيران. وإذا فاز فيعني الاستعداد لممارسة ضغوط (وربما حروب)، لإظهار إيران أنها قادرة على التخريب، عبر عملائها. فهي خسرت العراق، وسوريا، وحرب اليمن ما زالت طويلة.. ولم يبقَ لديها سوى حزبها الأثير في لبنان، ليعرقل كل شيء.. أو ليُمارس ضغوطاً، أو ليكون لبنان بديلاً من كل الخسائر الفادحة، بل أن يكون لبنان «عاصمة» القرار الإيراني ومركزه الرئيسي في الشرق الأوسط! دور عظيم ومشرق للحزب!

سُنَّة إيران

ومَن لا يعرف أن هؤلاء «السُنَّة» مرتبطون بدمشق وبالحزب، وهم ينتحلون صفة «المستقلين»؛ فالمستقل يعني في كل القواميس هو الذي يتمتع برأي حر غير مرتبط بكل القوى، ويحتفظ لنفسه بحق اتخاذ موقف خارج كل إملاء، لكن هؤلاء السُنَّة الستّة، إضافة إلى انحيازهم المطلق للحزب أو لبشار، لا يُشكلون لا كتلة، ولا جبهة ولا برنامج عمل موحداً: إنهم من شتات «اللوائح»، ومن نثار المرشحين: ادّعوا أنهم يمثلون 40 بالمئة من السُنَّة، وفي الأرقام المنشورة في جريدة «المستقبل»، يتبين أنهم لا يشكلون أكثر من 8 بالمئة. فلا هم كتلة، ولا أعداد ولا نسب: جمعهم الحزب وجعل منهم «مستقلين» وكتلة، هكذا.

إزاء هذا الغدر السافر، ردّ الحريري بحزم ليس لهؤلاء مكان بالنسبة إليّ. فرفض توزيرهم، لأنه عرف عمق لعبة: أخذ الثلث المعطل من الرئيس عون.. ومن الحريري. والثلث المعطل، كما هو معلوم، يتحكم بقرارات الحكومة وبسياستها ومواقفها، أي يُهدّد دائماً بتعطيل الحكومة كلها وشلّها. ونظن أن الرئيس عون في مطلع سنته الرئاسية الثالثة اتخذ الموقف الذي يتخذه عادة «الكبار».. فردّ على الحزب «هؤلاء السُنَّة لا يشكلون كتلة لكي يتمثلوا بوزير». أكثر: ولأن الرئيس عون عرف اللعبة من أساسها، وأن من أهدافها «إضعاف الرئيس الحريري»، فقد أضاف «نريد رئيس حكومة قوياً». كأنما وضع النقاط على كل الحروف المقروءة وغير المقروءة.. بل إنه استشف أن طعنة الغدر أصابته أيضاً، وأصابت عهده.. بل كأنه استشعر أن عهد «الودائع» الأسدية في البرلمان والحكومة، يستعيده السيد حسن: فهؤلاء السُنَّة ودائع حزبية (يذكروننا بالودائع التي فُرضت على الرئيس الشهيد رفيق الحريري)، وأنهم ليسوا سوى ذرائع لتفكيك كل تضامن حكومي، لا سيما وأن لبنان مقبل على تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية بالغة.

فالإنجازات قد تُحسب للحريري، لكنها تُحسب لعهده في المطاف الأخير: وأن محاولة الحزب ليست سوى عرقلة لانطلاقة الحكومة وتأليفها، (ارتباطاً بأحداث الخارج) ومن ثم عرقلة لمشاريعها، ظناً من الحزب أنه يُفشل الحريري.. لكنه في الوقت نفسه يُفشل العهد.

ومن طرائف الأمور أن الحزب الذي لم يعرف يوماً ما هي حرية اتخاذ قرار مستقل، لأنه أصلاً صنيعة من صنائع إيران وغيرها، وأن دوره ليس باللبناني ولا بالعربي، بل بخامنئي، أي الطريف أن حزباً، غير مستقل، يدافع عن توزير «جبهة» مزعومة مستقلة. فكما أن الحزب لم يذق يوماً طعم الوطنية، ولا السيادة، ولا القرار الحر، يدعم مَن يماثلونه في ارتهاناتهم.. لكن تحت مسمى «استقلالي».

فجيعة الناس

فجع الناس بموقف «حزب الله»، وخيّب موقفه «المفاجئ» آمالهم المعقودة على تأليف الحكومة، فهم يحسّون بأوضاعهم أكثر من الذين يعيشون في المخابئ وفي الحروب الخارجية، وتحت رحمة الوصايات المتعددة. فجعوا. وحتى بعض الذين يؤيدون «الحزب» صعقوا: ماذا جرى بين ليلة وضحاها؟ وكيف يقلب الحزب كل الطاولات، وقد أسمعهم على امتداد الأزمة «سمفونية» ضرورة الإسراع في التأليف، طالباً من «الجميع» التنازل لمصلحة لبنان وتحدياته العديدة. فالناس ليسوا أطفالاً يجلبون إلى المهرجانات ليصفقوا ويهيصوا.. حتى من دون أن يسمعوا ما يقول «خطيبهم». لكن لهؤلاء مصالحهم يا سيد حسن، ومعاناتهم، وفقرهم، وأولادهم.. فكيف يغدر بهم مَن زعم ذات يوم أنه من المحرومين.. ومع المحرومين؟ فلا هو محروم، وكل ما يحتاج إليه الحزب موفر من إيران، ولا حزبه محروم.. فالناس حواليه وامتداداً إلى كل الخريطة اللبنانية.. تساووا بالحرمان والفاقة!

ونظن أن الذين لدغوا من «الجحر» مرة ومرتين وثلاث.. لن يلدغوا بعد اليوم..

بول شاوول