صدرت للشاعرهنري زغيب الترجمة العربية لكتاب الفرنسي الكبير، الذي يـبـلغُ 100 سنة في 22 تشرين الأَول/أُكتوبر الحالي، وهو ا يزال يكتب ويؤلّف، وهو حاليًا ويشغل منذ العام 2102 منصب عـميد الأكاديميا الفرنسية.

ويحتفـل بإِطلاق الكتاب في «معـرض الكتاب الفـرنكوفوني» نهار الجمعة 9 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

هنا مقدمة الترجمة العربية:

هذا العام (2018) يَــبْـلُغُ الـمئة.

أَتُراها، هذه المئةُ أَيضًا، من طبيعةِ سُخريةٍ مَرِحةٍ رافقتْه طوال حياته الطويلة؟ في معظم كتاباته، وخصوصًا المسرحية، طرَّز نصوصَه بمناخٍ بين العبَثية والسخرية، عاشَهما معًا كأَنهما في إِحساسه الغريزيِّ منذ الدقيقة الأُولى لولادته، حين وجدَه الطبيبُ هزيلَ الجسم ضئيلَ البُنْية قليلَ العافية، فقال لأُمه إِنه لن يعيشَ سوى ساعاتٍ قليلةٍ ويموت قبل غروب الشمس.

وها شمسُه اليوم: مئة سنةٍ ولا غُروب، وما زال ينبض بالحياة زاخرًا بِـحَيَوية الكتابة، وقبل أَشهُرٍ أَصدَر هذا الكتاب بين يديك.

*** رُبَّ متسائلٍ عن دافعِه إِلى جمع أَقوالٍ لسواه، هو الغنيُّ بـمؤَلّفاتٍ شعريةٍ ونَثريةٍ كثيرة، فلا حاجةَ به إِلى تَبَنّي كتاباتٍ من السوى. لكنّ هذه طبيعتُه الطريفةُ الساخرةُ منذ فجر حياته.

وإِنها غريبةٌ حقًا حياتُه: سلسلة صِدَفٍ ومفارقاتٍ ومواقفَ غريبةٍ أَحيانًا مدهشةٍ أُخرى:منذ ولادته عاش بِلا أَب. ومن هونغ كونغ حيث وُلِدَ ولم يعرف أَباه، عاد في حضن أُمّه إِلى وطنها فرنسا، نشأَ في حضن جدته لأُمه، كَبُر في الريف بين الفلَّاحين والعمّال، وما إِن فتح بابَ الشباب حتى أَطبَقَت عليه الخدمةُ العسكرية الإِلزامية فـوقع أَسيرًا بين جنودٍ نازيين نفَوه إِلى أَماكنَ نائِيةٍ، مرةً في معتقَل، مرةً يشتغل قسرًا في مصنع فخّار، لينتهي عاملَ تنظيفاتٍ في أَحراجٍ وغاباتٍ أَلمانية مهجورة.

لكنه، حتى في أَحلَك ظُروفه أَسيرَ النازية أَربع سنواتٍ (1940-1944) لم يفقد السخرية ولا المرح، كما ليتحدّى بهما القِسْمة بالبسْمةِ تخفّف عنه قهر الاحتجاز والأَشغال الشاقة.

في تلك الفترة القاسية وُلِد فيه حُبُّ الكتابة. افتقدَ لها الورقَ فكان يكتب على أَوراق النُفايات يقتطعُها من أَكياس السماد والعلَف. وفي أَقسى أَيام الاعتقال بقيَ على مزاجه الساخر شبهِ البوهيميّ، حتى إِذا أُفرِج عنه، راح يتسكّع في المقاهي يكتب بِاسْمٍ مستعار ٍكلماتٍ للأَغاني، أَدّى معظَمَها لويس ماريانو.

وبالصِدفة سمع له المخرج جان ﭬــيلار نصًّا إِذاعيًّا أَعجبه فبادرَه: «لـماذا يا رُنيه لا تُـحوِّله نَصًّا للمسرح»؟ استهواه الأَمر، وبسخريته السوداء ذاتها أَعاد كتابة النص فكان مسرحيتَه الكوميديةَ الأُولى كاسرًا فيها القواعدَ الكلاسيكية التقليدية، وانفتحت له ستارة المسرح بعدها على أَعمال مسرحية ناجحة جعلتْه أَن يكون اليوم أَحدَ أَكثرِ الكُـتّاب المسرحيين الفرنسيين تداوُلَ أَعمالٍ على أَكبر مسارح العالم.

وبالصِدفة أَصبح ممثلًا سينمائيًّا لِـحلُوله مكانَ مُـمَــثِّــلٍ غاب نهار التصوير.

وبالصِدفة أَيضًا كان يومًا يطالع جريدة فرنسية فقرأَ أَن والدَه الـﭙـانامي بات وزير الداخلية في حكومة بلاده، وكان يظنُّ أَن والده مات. وبعد 33 سنة من ولادته، وَصَلَـتْه من والدِه رسالةُ تهنئة على كتابه «الثروات الطبيعية» (1951)، حتى إِذا فرِحَ بها ونَوى أَن يَزور وطنَ والده ﭘـاناما ويلتقيه، تُوفي الوالدُ بعد أَشهرٍ ثلاثة من تلك الرسالة اليتيمة.

ومن الـمفارقات أَيضًا في حياته: كان ذاتَ فترةٍ مُنهارًا مُحبَطًا، لا يَفتح الرسائل في بريده المتراكم، حتى فتحَ إِحداها اتفاقاً، وكانت من قارئةٍ تتابع كتاباته، وقرأَ فيها: «مَن يشعرون باليأْس والإِحباط، فَلْيَقرأُوا أُوبالديا». وفي السياق الطريف ذاته، بعد احتفال تكريمه سنة 2013 من جامعةٍ في ﭘـاناما، تقدَّمَت منه طالبةٌ صبيَّةٌ تسأَله عن سِـرّ احتفاظه بالحيوية في سِـنِّه (يومَها 95 سنة) فأَجاب بسُخريته المعهودة: «الأَمرُ بسيط: أَقرأُ كلّ صباحٍ صفحةً من كتابات أُوبالديا».

هذه الحيوية ذاتُها بقيَت لديه طوال حياته نابعةً من حُـبِّه الحياةَ الهانئة. ففي مقابلة تلـﭭـزيونية خلال حلقة خاصة به، سأَلَــتْه المذيعة عن سِــرّ حيويته فقال: «إِنه الحُب»، وعن أَسعدِ ذكرى في حياته أَجابها: «يومَ التقيتُ زوجتي دايان». وكان عاش معها 40 سنة في زواجٍ سعيدٍ هانئ. وعن عَلاقته بالشِعر بادرَها: «الروائيُّ يَكتُب، الشاعرُ يعاني» مشيرًا إِلى أَنه شاعرٌ في كل ما كتَب، نثرًا ومسرَحًا.

بهذه الحيوية في فكْره وذهْنه ومواظَـبَــتِه على الكتابة، يـبـقى اليوم «عميد الخُضر» في الأَكاديميا الفرنسية (أَكبر الأَعضاء سِنًّا ) كما متحدِّيًا تَقَدُّمَ العمر.

*** في الإِقليم الأَدبي، استقى أُوبالديا جُذُور ثقافته بين الأُصول في وطن أَبيه وأَجداده، والأُصول الفرنسية في وطن أُمه، فتكوَّنت لديه ثقافةٌ غنيّة منوّعة ظهرَت في بعض مسرحياته، وتتجلّى واضحةً هنا في «جواهر عمر»، بما يَضُمُّه من عباراتٍ اقتطفَها لكوكبةٍ من أُدباء وشعراء ومفكِّرين وفلاسفة وكُـتّاب وفنانين ومُصْلحين اجتماعيين وأَخلاقيّين، من كل زمن وكل وطن، من لُغاتٍ وعصورٍ وجنسيّاتٍ مختلفة، حتى كوَّن منها هذه الباقة من الــ«جواهر»، تُغْني الكِــتَاب ويَغْنى بها قراؤُه بنُصوصٍ وميضةٍ هي كُنوزٌ من خلاصاتِ تجاربَ عمرُها خبرةُ سنواتٍ من النضج الأَدبي والحياتـيّ لديه أَو لدى أَصحاب النصوص.

صحيح أَنها أَقوال متفرّقة يبدو اختيارُها بلا قواعدَ ولا معايــير، لكنَّها منثورةٌ بِما يشكِّل كُلًّا يتكاملُ مضمونُهُ، ولو مُـجَــزَّأٌ شكْلُه. ففي اختيار النصوص سياقٌ خاصٌّ يتجلّى في مجمل الكتاب ويبدو ترتيبُها فيه بلا تنسيقٍ لكنها مترابطةٌ في سلْك خفيٍّ متروك للقارئِ اكتشافُه مع صفحات هذا الكتاب الزاخرة بحِكَمٍ غاليةٍ ذات مواضيع متنوّعة.

وهو دوَّنَ أَحيانًا أَكثرَ من عبارةٍ لكاتب واحد، إِنما في سياقٍ آخر، كما لجأَ أَحيانًا إِلى الاستشهاد بالحيوانات تعويضًا عن الإِنسان. وما لم يشأْ أَن يقوله هو - بين أَقواله الخاصة الساخرة - جعلَه سخريةً على لسان كُـتَّاب آخرين. فطرافتُه واضحةٌ في نصوصه كما في اختياراته التي ليست عفويةً بل مهندَسَةٌ بِـإِتقانٍ في خلطةٍ «أُوبالديّة» يَظهر فيها مزاجه الطريف.

هل من صِلة بين هذه الاختيارات وسيرة أُوبالديا؟ قد لا تكونُ مباشَرَةً هذه الصلةُ لكنها ذاتُ علاقة بمزاجه وطبْعه وطبيعته التي بَــثَّـها في نُصوص هذا الكتاب.

إِنها إِذًا باقاتُ أَفكارٍ وتأَمُّلاتٍ وخواطرَ واستشهاداتٍ وأَقوالٍ وحِكَمٍ لَفَتَتْهُ وأَعجبتْه فدوَّنها منفردةً وتركَها منسيةً في دفاتره العتيقة حتى جمعَها جواهرَ عمر، كلُّ واحدة منها جوهرةٌ في ذاتها تَختزنُ خبرة عمر.

هكذا تَصدُر هذه الكنوز أَقوالًا وأَفكارًا مضمومةً بين دفتين، طارحةً أَسئلةً من قائلِها أَو جامعِها، تحتملُ واحدتُها أَحيانًا أَكثرَ من تأْويلٍ وتفسيرٍ وتبريرٍ، وهُنا فرادتُها إِذ تَبُثُّ عافيةً ذهنيةً لـحيويةٍ ثقافيةٍ تُظهِر هذا الكاتب وفيًّا لقَدَرِه شاعرًا وكاتبًا، أَمينًا لرسالة الأَدَب، منفعلًا في آرائه فاعِلًا في قرّائه.

لم يتعمّد أُوبالديا اختيار أَصحابِ الحِكَم، بل استحسَن ما كلُّ خاطرة منها أَوحَت إِليه فكرةً تَفتح نافذةً على أُفُق، فقطَفَها ودَوَّنها غيرَ معتبرٍ أَنها ستصدُر يومًا في كتاب.

*** علامةُ هذا الكتاب أَن نَصَّه سهلُ القراءَة، سلِسُ المتابعة، سائغُ الحفْظ، خفيفُ الـحَمْل. من هنا عنوانُه الثانوي «حِكَمٌ محمولة»، شاءَها أُوبالديا تُرافق قارئها أَينما حَـلّ: في الحديقة العامة، في الطائرة، في القطار، في الباص، في محطات الانتظار، مجموعَةَ أَقوالٍ متفرقةٍ قصيرةٍ يقتطف منها قارئُها ما يرغب، ثم يُغلِق الكتاب ويَمضي، يتردّد في ذهنه ما قرأَه في حكمةٍ أَو تأَمَّلَه في قولةٍ هي حصيلةُ اختبارٍ طويلٍ أَو تجربةٍ مثمرةٍ من صاحبها.

لم «يؤَلِّف» أُوبالديا هذا الكتاب كما «يؤلِّف» الروائيُّ نصَّه أَو المسرحيُّ مَشاهدَهُ، بل هي نَـثراتٌ كان دوَّنها اتفاقًا على دفاتره: هنا عند زاويةِ صفحةٍ، هناك في أَسفلِ مقطعٍ، هنالك على هامشِ ورقةٍ، حتى سأَله ذاتَ يومٍ ناشرُهُ «غراسيه» أَن يجمعَها، فعمِل أَسابيعَ على جَـمْعها، ودفَعها إِلى الناشر من دون ترتيبٍ مسبَقٍ أَو تنسيقٍ مقصود.

ها نحن إِذًا أَمام كتابٍ يَجمع بين دفّتيه زُبدةَ ثقافاتٍ من مختلف البلدان واللغات. صحيح أَنها منقولةٌ أَحيانًا عن لغاتٍ غيرِ فرنسيةِ الكتاب، لكنها انصَهرَت في وحدةٍ منسجمةٍ كأَنها مكتوبةٌ في سَردٍ متَّسقٍ واحد، نسجَه كاتبٌ متمكِّنٌ عريقٌ ذو أَدبٍ غنيٍّ بالتجربة المختمِرة. وهو مغامرٌ في اللغة، فارسٌ في ميدان الكلمات، مُطوِّعُها في مهارةٍ بارعة، يمتلك تقنيةً متينةً شاءَها يواجه بها المسائل الكبرى، في فانتازيا لغوية كأَنما «اخترعها» مدهشةً في عُمْقٍ سلِسٍ متحرّر وجريء. وهذا ما دفع جيروم غارسان (Garcin) إِلى وسْم «الأُوبالديّة لغةً خضراءَ جاذبةً مثقَّفةً متينةً على فوضويةٍ عفويةٍ طريفة».

*** ويكون أَنني قرأْتُ هذا الكتاب لدى صدوره في ﭘـاريس (آذار 2017)، فاستهوتْني فيه متعةُ الحكَمِ المنقولةِ المحمولةِ المحمَّلةِ جواهرَ الفكر العالمي من كل صقعٍ في الدنيا.

يجمعنا بهذا الكتاب، إِلى غنى مضمونه، جَـوُّ الحِكَم الذي هو أَساسٌ في جوّنا الأَدبي الاجتماعي. فنحنُ ميّالون، بطبيعتنا الشرقية، إِلى الأَخذ بالحِكَم والأَمثال، خصوصًا تلك التي فيها سَجَعٌ يَسهُلُ حفْظُه وإِيصالُه فَرَواجُه. من هنا شيوعُ الأَمثال الشعبية في مجتمعاتنا وجلساتنا وكتاباتنا. وكان الحكواتي ذات فترةٍ مُـمتلئَ النص الشفويّ بهذه الأَمثال وذاك السجع. فالحِكَم والأَمثال في بيئتنا جزءٌ من تراثنا الشعبي، وكم بيتٍ في قصيدةٍ ذي مضمونٍ حِكَميٍّ غادر القصيدة وراح يتنقّل بين الناس حتى بات مَثَلاً رائجًا أَو حِكمةً سائرة.

إِنها روحانية الشرق: التعلُّق بالجذور والتقاليد والعادات والأَمثال والأَقوال والحِكَم، حتى لَـهْيَ نهجُ حياةٍ في يومياتنا الاجتماعية والثقافية والأَدبية، نُردِّدها ونعمِّمها إِلى مَن بعدَنا، فتصبح سُلوكًا فطريًّا في ذاتها، وينتقل كثيرٌ بينها من المكتوب إِلى الشفهي إِلى الـمُعاش التلقائي.

من هنا تأْثيرُ القراءة على الكتابة، وتَأَثُّر المتلقّي بالكتابة وتَبَنّيه إِياها، فيَرُوج قولٌ أَو مثَلٌ أَو بيتُ شعرٍ حتى لَــيَطغى رواجُهُ على صاحب القول أَو المثَل أَو بيت الشعر، ويصبح مَثلًا في التَداول اليومي ويضيع مَصدرُه وقائلُه.

هكذا لا تعود الحِكَم السائرة والأَقوال الرائجة قصرًا على أَوساط المثقفين والنخبة، بل تَـنـتَــثِـر في العامَّة من الناس، وتتعمَّم في التداول سلوكياتٌ ثقافيةٌ نابعةٌ من بيتٍ شِعريّ، أَو جملةٍ مأْثورة، أَو حديثٍ نَبَوي، أَو آيةٍ في الإِنجيل أَو القرآن، في سياقٍ سُوسيُولُغَويٍّ ذي تأْثير أَحيانًا على التطوُّر الشفوي وتاليًا على بعض الكتابي.

بـهذا التَواصُل شعرتُ حين قرأْتُ كتاب أُوبالديا. ومع أَنني من زمانٍ هجرتُ الترجمة، إِلَّا أَنّ هذا الكتاب شَدَّني إِلى ترجمته. أَحببتُ فيه الِإيجازَ الـمُضيء، والإِيجازُ في ذاته عبقريةُ كتابةٍ شَكلًا مُكَثَّفًا يَختصر مضمونًا مكثَّفًا. الإِيجازُ في الأَدب بَـرقٌ وميضٌ تَليه تردُّداتُ رعدٍ يتفجَّر. هكذا الكلمةُ/البَرقُ تخلُق في قارئها تردُّداتٍ من التفكير.

وأَنا في سياق الترجمة، غالبًا ما كنتُ أَتوقَّف طويلًا عند عبارةٍ من كلمتَين أَو ثلاثٍ، عميقةٍ، صلبةٍ، مُغلَقةِ البوح لِشدّة إِيجازها، وخصوصًا تلك المترجَـمَة أَصلاً إِلى الفرنسية عن لغةٍ أُخرى، فكُنتُ يغريني تَـحَدِّيها أَن أَنقلَها إِلى العربية بالإِيجاز ذاته والشكْل ذاته والجِرْس ذاته، كي تُعانقَ عربيَّتي فرنسِـيَّـتها. لذا كنتُ أُترجم «سمعيًّا» كأَنني أُنوِّط ميلوديا، وهي تجربة جميلة عشتُها طيلة اشتغالي على ترجمة الأَقوال الوجيزة في هذا الكتاب. وأَحيانًا رحتُ أَستعيض عن كلمةٍ بالتنقيط والوقْف (نقطة، فاصلة، ثلاث نقاط،...) وهي في ذاتها تعبيرٌ يكون أَحيانًا أَبلغ من الكلمة في بـثِّ حُروفِها.

هنا تتجلّى قُدرة الكاتبِ حين يترجِمُ كاتبًا آخَـرَ: أَن يقتربَ منه حتى يكادَ يَــبُــزّه، وهي أَصدقُ صورةٍ لِنَصٍّ لا يَخون مترجِـمُهُ أَيَّ كلمة من الأَصل، ساعدَتْني على ذلك عبقريةُ اللغة العربية التي، حين يتناولُـها متمكِّنٌ، يَـبـلغ بها مسافاتٍ جميلةً تُدهش حتى ذويها، لـِما فيها من دُرَرٍ في اختيارِ كلماتٍ وتراكيبَ يندُر أَن تعطاها لغةٌ أُخرى بهذا الجمال.

من هنا صحةُ القول إِن الترجمةَ عمَلٌ إِبداعيٌّ في ذاته، مستقلًّا عن الأَصل. فالمؤَلِّفُ الذي يُـبدع في نَسْجِ نَصِّه ليَخلق مضمونًا جيدًا، يَلزمُ نصَّه متمكِّنٌ لا يُترجِـمه كلماتٍ مطابقةً بل يتناولُه من أَصله ويتبنّاه بِـلُغةٍ أُخرى يُعيد بها كتابةَ النص بعبقريةِ هذه الأَخيرة، مستخدِمًا لها وسائِطَ وأَشكالًا تعبيريةً وأَدائيةً تختص بالـمُترجَـمة إِليها، غالباً ما لا علاقةَ لها شكلًا تعبيريًّا بالمترجَـمة منها.

*** هي هذه رحلتي الممتعةُ في هذا الكتاب، وضَعَه صاحبُه العامَ الماضي في لُغَتِهِ وهو على عتبة المئة، وها نحنُ، في لُغَتنا، نعبرُ معه هذه العتبةَ إِلى متعةِ نصوصٍ، في كتابه، لم يـبلُغْ أَصحابُها المئةَ لكنهم تَــرَكوها «جواهرَ» خالدةً لكُل عُمر.

رُنِيه أُوبالديا: ننحني أَمام سنواتِـكَ المئة، وندعو لكَ - أَيضًا وأَيضًا - بــ«طُول العمر».

كانون الثاني 2018