تحديات متراكمة عديدة واجهت القطاع الصحي في لبنان، ولا تزال، تسببت على مر السنين في بروز نظام صحي غير منظم لا يُغطي شرائح المجتمع كافة من جهة، ونتج عنه إفراط في الانفاق من دون ان يؤتي النتائج المرجوة منه من جهة اخرى.

في العام 2013، تقدمت كتلة «المستقبل» النيابية ببرنامج صحي اجتماعي شامل تضمّن ثلاثة اقتراحات قوانين:

1- استفادة المتقاعدين من التغطية الصحية بعد سن التقاعد.

2- البطاقة الصحية.

3- ضمان الشيخوخة.

فأين اين أصبحت هذه الاقتراحات بعد 5 سنوات؟

مجدلاني: قلق من العرقلة

يقول الرئيس السابق للجنة الصحة النيابية، النائب السابق عاطف مجدلاني، لـ«المستقبل» ان «كتلة المستقبل النيابية كانت سباقة في ايجاد الحلول المناسبة للقطاع الصحي وكانت لها بصمات ايجابية. فقد تقدمنا عام 2013 ببرنامج صحي اجتماعي أُنجر بعضه وبدئ العمل فيه كاستفادة المتعاقدين من التغطية الصحية بعد سن التقاعد». ويشرح ان هذا الاقتراح «تحول الى قانون وبدئ تنفيذه منذ عام تقريباً. واستفاد منه نحو 3 آلاف متقاعد مع عائلاتهم بعدما زيدت اشتراكات فرع المرض والامومة بمعدل 1 في المئة على الدولة و1 في المئة على اصحاب العمل و1 في المئة على العمال. كما ساهم المتقاعد المستفيد بنسبة اشتراك لا تتجاوز الـ 9 في المئة من الحد الادنى للاجور، اي بنحو 60 الف ليرة شهرياً».

بالنسبة للاقتراح الثاني، يقول مجدلاني ان كل لبناني لا يتمتع باي تغطية صحية الزامية يستطيع ان يحصل على البطاقة الصحية، «كما يستفيد منها الأشخاص الذين تتم معالجتهم على نفقة وزارة الصحة ويُقدرعددهم بنحو مليون و800 الف شخص». ويوضح ان «ميزة هذه البطاقة انها تشبه الى حدّ كبير بطاقة التأمين لكنها تابعة الى وزارة الصحة التي ستتعاقد بدورها مع المستشفيات على غرار ما تقوم به شركات التأمين. ولدى إظهار المريض لهذه البطاقة، فلن تستطيع المستشفيات رفضه متذرّعة بعدم توافر أسرّة او بتخطي سقف إنفاق الوزارة، لانه لن يتم تحديد سقف للإنفاق ولا عدد محدّد من الاسرّة. ولهذه البطاقة هيئة ادارية داخل وزارة الصحة تابعة للوزير مباشرةً».

يضيف مجدلاني: «بدأنا بمناقشة البطاقة الصحية في الفترة الي كنتُ فيها رئيساً للجنة الصحة النيابية. واطلعت الوزارة على هذا الاقتراح وادخلت بعض التعديلات من أجل توسيع مجال الاستفادة منها، وتقديم الرعاية الصحية الأولية الى جانب الاستشفاء وغسيل الكلى، وغيرها من الأمور الصحية الأولية التي تهم المواطن اللبناني. كما حصلت بعد التعديلات ايضاً في ما خص عملية التمويل. واليوم يناقش هذا الاقتراح في لجنة المال والموازنة بعدما انجزت لجنتا الصحة والادارة والعدل مناقشتها. واعتقد انه بمجرد موافقة لجنة المال على هذا الاقتراح، يتحول عندها الى الهيئة العامة من أجل التصويت عليه. ومن ثم نحتاج الى نحو 6 أشهر كي يبدأ المواطن اللبناني بالاستفادة من خدمات هذه البطاقة بعد اتمام التحضيرات اللوجستية المطلوبة».

لكن رغم التقدم المحرز في اقتراح البطاقة الصحية، الا ان مجدلاني لا يُخفي قلقه من احتمال عرقلته او افشاله عبر تدخلات سياسية وغير سياسية.

عن ضمان الشيخوخة الذي «لا يقل أهمية عن الاقتراحين السابقين»، قال مجدلاني «لقد ناقشنا في لجنة الصحة النيابية كل النقاط التقنية وكان بقي امامنا موضوع التمويل، وكنا طلبنا من صندوق الضمان الاجتماعي اجراء دراسة من اجل تحديد نسب الاشتراكات، وبعدها جرت الانتخابات النيابية ولم أعرف ما الذي حصل بهذه الدراسة».

"المرض لا يعرف كبيراً ولا صغيراً"

لقد أعاد هذا البرنامج الصحي الاجتماعي التكامل املاً جديداً لدى المواطنين، إن من ناحية استفادة المتعاقدين من التغطية الصحية بعد سن التقاعد، اوبالنسبة الى البطاقة الصحية او حتى في ما يخص ضمان الشيخوخة.

سمير مواطن لبناني تقاعد منذ أشهر كان همه الأساسي هو الضمان الاجتماعي، ويقول لـ«المستقبل»: «منذ سنين، وأنا أفكر بالرعاية الصحية ما بعد التقاعد... الى أن أُقر القانون الذي تقدمت به كتلة المستقبل والذي أعاد الينا الأمل مجدداً في حياة كريمة، وهذه خطوة هامة كنا نحلم بها بدل أن نتحول الى وزارة الصحة، لان اغلب المستشفيات لا تقبل المرضى على وزارة الصحة، او بالحد الأدنى يُترك المواطن على باب الطوارئ، ويطرق ذووه أبواب المسؤولين من أجل ادخاله الى المستشفيات».

«المرض لا يعرف كبيراً او صغيراً». بهذه العبارة، تروي هدى، الشابة المفعمة بالحياة، لـ«المستقبل» تجربتها المريرة مع المرض الخبيث. تقول: «منذ سنوات، أصبت بالمرض الخبيث ما اضطرني الى ترك العمل كون الشركة التي أعمل فيها أقفلت ابوابها بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يمر بها لبنان. وأصبحت خارج العمل من دون ضمان أو تأمين. وأصبحت أصارع هذا المرض وحدي. تكلفة العلاج كانت باهظة جداً وكنت أتعالج على نفقتي الخاصة في المستشفى، وكانت وزارة الصحة تؤمن لي الدواء. الى ان اضطررت الى اجراء عملية بلغت تكلفتها نحو 80 الف دولار. وبعد تدخلات أجريت العملية ولكن...«. تصمت هدى قليلاً وتسأل»لم لا يكون كل شخص منا مضمون دون اضطراره الى اللجوء الى هذا المسؤول او ذاك، ودون ان يُذل على ابواب المستشفايات بدل ان يكون مكرماً في عزّ مرضه...».

تسأل هدى «أين أصبح اقتراح قانون مشروع البطاقة الصحية الذي، بطرحه، أعاد الأمل مجدداً الى اللبنانيين؟».

المرعبي: اختلاف حول التمويل

يشرح عضو لجنة المال والموزانة النائب في كتلة «المستقبل» النيابية طارق المرعبي لـ«المستقبل» ان «اقتراح قانون مشروع البطاقة الصحية لا يزال قيد الدرس في لجنة المال الموازنة»، ويقول ان هناك اختلافا في وجهات النظر حول كيفية تأمين التمويل اللازم، و«لكن أعتقد ان الأمور ستُعالج في الجلسات اللاحقة».

يضيف: «لدينا جلسة نهار الاثنين (اليوم) لاستكمال كيفية تمويل هذا المشروع. وقد عرض وزير الصحة غسان حاصباني مشروعاً من اجل تمويل البطاقة الصحية من خلال رسم مقطوع على فاتورة الهاتف الخلوي يطال كل لبناني حسب فاتورته. هذا المشروع أثار جدلاً واسعاً ولم تتم الموافقه عليه بعد وهو قيد الدرس. ولكن باعتقادي ان الدراسة التي قدمتها القوات اللبنانية من خلال الوزير حاصباني تعتمد على احتساب مدخول الفرد من خلال فاتورة هاتفه. هذه القاعدة غير منطقية لأننا لا نستطيع تطبيقها في المناطق الريفية، ومن هذه النقطة تأتي معارضتي لمصادر التمويل، لأننا لا نستطيع ان نأخذ قيمة فاتورة الهاتف كمعيار لدخل المواطن اللبناني، فجزء اساسي من مدخوله يُصرف على الاتصالات في الريف، كون المواطن في هذه المناطق بحاجة ماسة الى الاتصالات اليومية، ربما الموضوع يختلف في المدينة. ولكن أتمنى ان نصل الى حلول قريباً».

يتابع المرعبي: «الجميع متفق على ان هناك خللاً في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بسبب الشح المادي من جهة، وبسبب قلة تمويل الدولة للضمان من جهة أخرى خصوصاً وان هناك نحو الفين و300 مليار ليرة مستحقة للضمان لم تسددها الدولة بعد، ليبقى السؤال هل تريد الدولة تحسين الضمان الاجتماعي أم تقليص دوره باعطاء البطاقة الصحية؟».

برأي المرعبي، فان الحل اليوم هو الشراكة بين القطاعين العام والخاص من اجل النهوض بمؤسسات الدولة وخصوصاً بالموضوع الصحي، «لأن صحة الناس لا تحتمل الانتظار او المماطلة، كما يحصل اليوم في الضمان الاجتماعي. فمن غير المقبول ان يدفع المواطن ثمن الأدوية ليسترجعها من الضمان بعد شهور عدة، وقد تمتد الى سنة في بعض الأحيان. لذلك نحن، ككتلة مستقبل، نطالب بتحسين وضعية الضمان الاجتماعي وفي الوقت ذاته، اشراك القطاع الخاص في البطاقة الصحية».

يختم المرعبي حديثه بالقول «من الضرورة وضع خطة عمل واضحة من أجل النهوض بمؤسسات الدولة بشكل عام، والتعامل مع كل مؤسسة كشركة تجارية تسعى الى الربح وتغطي عجزها بنفسها والابتعاد عن النهج السائد اليوم في اضعاف القوي وتقوية الضعيف، تماماً كما يحصل في قطاع الاتصالات. عندما يكون لدينا قطاع ناجح، فان الكل يريد ان يأخذ منه وهذا غير منطقي بل يجب ان نقويه اكثر وان نستثمر فيه من اجل تطويره. وهذه هي رؤية الرئيس سعد الحريري التي ترتكز على ضرورة مكافأة القطاع الناجح وتحسينه أكثر والاستفادة منه ومعالجة القطاع الفاشل ومعاقبة من يساهم في افشاله».

(خاص "المستقبل")