يبدو أن الدخان الأبيض بدأ يطلع من «المدخنة» السوداء، بعد أكثر من أربع أشهر من تكليف الرئيس سعد الحريري بتأليف الحكومة. لكنه دخان مضطرب يمر عليه هواء قوي أحياناً فيبدّد حركته، ثم حوار هادئ يستقيم. إنها لعبة الدخانين الأبيض المبشر والأسود المنذّر. عادت الأمور إلى لعبة الأبيض والأسود، كأن لم يعد من ألوان طبيعية متعددة، أو قوس قزح..

ختمنا مقالتنا السابقة (السبت الماضي)، بـ«عسى ولعلَّ» تعبير يحمل التمني والخشية معاً. فالوضع اللبناني كونه بات مذهبياً صرفاً، يحمل في طياته المفاجآت الغرائبية، بل المعجزات (بإذنه تعالى). ويعني ذلك بقاءه، حتى في أوقاته «المريحة» هشاً، قابلاً لكل تغير ما دامت الحصص والحقائب توزع بحسب محاصصيها «ممثلي الطوائف» (لا ممثلي الأفكار)، ما عدا مشاريع مُرتقبة، ومساعدات اقتصادية مرجوة، وتحسين في الميزان المالي والخدمات: الكهرباء وأصحاب المولدات، المياه وأصحاب السترنات (الصهاريج)، والمصرف المركزي ووضع الليرة، والمهجرون وطرق عودتهم سالمين إلى بلدهم سوريا.

إنها ليست ملفات على سهولة شعاراتها، لأن أحمالها ثقيلة، على الحكومة العتيدة، وعلى المواطنين الذين قرفوا من كل هذه الأوضاع الكيفية، والفساد المستشري، والمخيمات الفلسطينية، في غير مكان (خصوصاً في البقاع، والمخيمات الفلسطينية): كأن دويلات إجرامية داخل الدولة، ودويلات فلسطينية متناحرة، متناسية تحرير فلسطين ومحاربة العدو، ومكتفية بتسجيل فصائلها انتصارات على بعضها. فالناس التي استسلمت لنسيان مبادئ الديموقراطية، والحرية (وحتى السيادة)، كأنها تكتفي بالأقل الأقل، أو ببديهيات البديهيات، أي الأمن، ومحاربة البطالة، والعيش الكريم، ونشر العدالة، (بفصل السلطات القضائية المدنية والعسكرية عن التسييس).

كأنّ شكل الحكومة والحقائب في معظمها (إلا قليلها) بات معظمه معروفاً: فمطالبة كل فريق بوزارة سيادية أو خدماتية (خصوصاً الأشغال والعدل والصحة والمالية)، يمكن أن تكون وصلت إلى خواتيمها.. بل وأكثر كأنه بات هناك عند بعضهم «نوعاً» من «نصر» ما حول معركة رئاسة الجمهورية. لكن برغم ذلك فهو أمل موهوم، تفصلنا عنه أربع سنوات. ومَن يدري ما يحل بالمنطقة من تغيرات تقلب الأمور رأساً على عقب، فيصبح الأوّلون آخرين، والآخرون أولين. فالمنطقة تعيش تحولات متسارعة، متلاحقة حُبلى بالغرائب، وبلدان فيها بات مصيرها متعلقاً بخيوط العنكبوت: إيران، العراق، سوريا، اليمن. إلى جانب طي صفحة في الغرب وفتح صفحات جديدة لا تبشر سوى بدكتاتوريات عنصرية وقومية انعزالية، وتفكك في المنظومات التاريخية «الاتحاد الأوروبي»، الحلف الأطلسي، عدا أن بعض نزعات الانفصال بدأت تطل من ايرلندا وإسبانيا، وكورسيكا..

العالم الذي كان يبدو بعد الحرب العالمية الثانية واحداً ومتعدّداً ومنفتحاً وبشّرنا كما فوكوياما، بانتصار الليبرالية، الديموقراطية (أي الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي)، تبدّدت معالمه بعد عشر سنوات.. وأقل. انقلبت العقول والأمزجة ضدّ الديموقراطية، وضدّ التنوير، وضدّ الانفتاح، بل باتت الديموقراطية بالنسبة إلى المتطرّفين الجدد، في الولايات المتحدة، وإيطاليا (الجديدة)، والمجر (فيكتور أوربان)، وفرنسا (لوبان اليمين – ميلانشون اليسار)، وانكلترا (تريزا ماي) كارثة على العالم.. (مثلما الاتحاد الأوروبي)، مسؤولة عن كل الأزمات الاقتصادية والسيادية في العالم.

الأوضاع العربية

فلا الأوضاع العربية ثابتة في مكوناتها وحدودها واستقرارها ولا الغربية.. وصولاً إلى الآسيوية. وهذا ما ينعكس على لبنان، الذي يطرح إزاء كل أزمة مصيره: من خطر تقسيمه رسمياً، أو صورياً (نتذكر القانون الأرثوذكسي) وخطر زواله (استراتيجية حزب الله الامبراطورية المرتبطة ببلاد الفرس)، وخطر تهديد الديموقراطية، وتكوين نظام أمني ثلاثي أو رباعي يعيد تجربة المكتب الثاني أيام الرئيس فؤاد شهاب، أو يعيد أجواء الوصاية السورية ومخابراتها، وقمعها، وهيمنتها بجيشها..

الاستدعاءات

وهذا أهم تحدٍ أمام الحكومة العتيدة، فتبرئة بعض المجرمين أو إطلاق سراحهم من السجون، برغم ثبوت جرائمهم (لانتمائهم إلى الدويلة المذهبية بقيادة «حزب الله»)، والتدخّل في شؤون القضاء وضرب استقلاليته، راح يتكرر ويتكاثر، ومن ملامحه السابقة إطلاق سراح المجرم ميشال سماحة بنصف مدة سجنه، ثم إعادته، تحت ضغط الأحزاب والناس، وإطلاق سراح العميل الإسرائيلي السافر فايز كرم، بعد عام ونصف العام من السجن، وكأنها جريمة عادية أو حادثة صدم أو خناقة قروية. من هنا السؤال هل تستطيع الحكومة وضع حد لهؤلاء منتهكي القوانين سواء عسكريين أو مدنيين، أو تلجأ للسكوت عنهم لسندهم المسلح في الكانتون المذهبي؟

الفساد

أما الفساد. آه! من هذا الفساد. كيف تكافحه وأول الفاسدين واللصوص وسرّاق الأموال العامة يطالبون بمكافحته؟ قانون من أين لك هذا؟ بعيد المنال. وإعلان كل نائب أو وزير عن ثروته كذب بكذب. فالفساد هو الذي أوصل الكهرباء إلى أن تصبح قضية مستعصية.

تحديات الحريري

التحديات الأساسية على قائمة حكومة الحريري العتيدة، ونظن أنه من الخير انتزاع «الثلث المعطل» من أيدي بعضهم. كونه سيعيدنا إلى العقبات السابقة.

وهنا يبدو موقف الرئيس الحريري مثقلاً بالهموم، من كل نوع. لكن هل سيكون الصبر مفتاح الفرج ولو نسبياً، كما كان مفتاح الفرج في تجاوز عقبات تأليف الحكومة؟ نحن نعرف أن ما يُسمّى حكومة وحدة وطنية لا تحل العقد المستعصية المتراكمة منذ سنوات. وهنا بالذات ليس لنا أن نضع أولويات لهذه الحكومة، ولا حلولاً، فهذا من شأن رئيس الحكومة المسؤول الأول عن التأليف.

هللويا

قلنا في مقالتنا السابقة (السبت الماضي) «لعل وعسى»، لكن نقول اليوم، بعد مجمل التطورات الإيجابية التي يجمع عليها المعنيون، حتى كتابة هذه السطور، من «القوّات» إلى التيار «الوطني الحر»، إلى الحزب «التقدمي الاشتراكي»، فإلى تيار «المستقبل»، كأننا ما زلنا نقول «لعل وعسى»، فالأخبار الأخيرة تحدثت عن «مصالحات» بين القوات والتيار (حول الحكومة). ولقد رأينا ممثلي الحزبين على التلفزيون وكأنهما يعلنان بداية نهاية سياسة «الإلغاء» وقبول الإثنين لبعضهما كقوتين حاضرتين، بما لهما من تمثيل قوي «متعادل» عند المسيحيين! جنبلاط أبدى ليونة مفاجئة بقبول وزير لا ينتمي إلى حزبه، بل يقاربه ولا يجافي الطرف الآخر من الدروز (ارسلان)، ونحن نعرف أن وليد جنبلاط، أحسّ أن طرح الوزير الدرزي الثالث من الجهة الارسلانية إبتسار لانتصاره في الانتخابات.

صبر أيوب

أما الحريري، فهو الشاهد والعامل والمحاول التلاقي وتفكيك عقد التمثيل والحقائب «بصبر أيوب»، وها هو في ما سمي «الرتوش الأخيرة»، يلتقي الجميع على تسهيل تأليف الحكومة حتى إشعار آخر. وقد نجح حيث ظنه «آخرون» تنازلاً، وأبدع حين ظنه بعضهم استسلاماً. دائماً مقدم الأضاحي والتضحيات؛ وقد سبق أن فعلها بالموافقة على القانون النسبي الذي دفع من رصيده لنجاحه. لكن، تقديم التضحيات لا بد أن يتوقف عند حدود المخاطر التي تهدّد البلد من كل حدب وصوب، وفي سياق عدم تأليف الحكومة، وكلنا سمعنا آخر صرخة إنذار له «إذا استقلت فلن أعود». لأن الأمور، آنئذٍ، كانت على تفاقم مريب: الضدّ كل الضد. الكل يمد يده على «الجبنة» ليستأثر بأكثرها، ضارباً عرض الحائط بما يتعرض له البلد من أزمات، تنتظر تأليف الحكومة، لتنهض بالاقتصاد (مؤتمر سيدر)، والأمن، ومشاكل الكهرباء والماء.. والمهجرين.

وما لفتنا التزام الحريري الصمت، إزاء كل التطورات الإيجابية. ألأنه اعتاد أو علّمته تجاربه الارتياب والحذر، محتذياً المثل الذي ردّده الرئيس بري «ما تقول فول إلاّ ما يصير بالمكيول»..

حتى كتابة هذه السطور... وبقدرة قادر، غمر التفاؤل كغيوم بيضاء تشبه الدخان الأبيض معظم الفرقاء الأساسيين، وقيل إن الحكومة باتت في مربع التأليف الأخير، عدا معالجة بعض الحقائب عند بعض الفرقاء (كالأرمن وسواهم)..

وهنا نقول استناداً إلى معلومات عمومية، (حتى ليل الأربعاء الماضي)، إننا بالفعل بتنا في المربع الأخير. لكن ليس الآخر كما بدأ يظهر هنا وهناك. فالتفاصيل كما يُقال يكمن فيها أكثر من شيطان. فعرس المصالحة بين القوات والتيار الوطني قد يكون واجه طلاقاً ما، أو رجوعاً إلى المربعات السابقة، من تقاذف اتهامات ورفع متاريس. إذاً، زمنان، وكل منهما شكل سبباً لوجود الآخر، أو لتأليف الحكومة، فهل يعني أنهما اختلفا من جديد حول الحقائب؟ أم أنهما ما زالا ملتزمين الصمت، حتى تنجلي الأمور للعلن.

كأنما مكتوب على جباهنا أن تبقى مقطبة، حذرة مرتابة من كل خبر يُفرح الناس. فالناس هللت لتلك الأخبار، التي تبدو وأنها كانت موقتة تحمل انهيارها في بذورها وفي جذورها.

حتى كتابة هذه السطور، يُحار المرء كيف يُقارب هذه الأوضاع من المفارقات العجائبية: فجأة تنحل كل العقد وفجأة تعود كل العقد. ونتساءل لماذا لا يكون النظر إلى وضع الناس وأوضاعهم الاجتماعية وحتى السياسية، من أولويات المسؤولين والأحزاب.. والحركات.

إلاّ إذا كان بعض هؤلاء «المعرقلين»، قد نسي مَن انتخبه، ومَن صفّق لحل الأزمة، ومَن هلّل لتأليف الحكومة، أو أن ذلك آخر همومه، وخارج أجنداته!

لا ندري ماذا يدور في الخفايا.. ولكن ما يجري بعد وعود الاتفاق.. يُظهر كم أن عدوى وضع العصي في الدواليب باتت وباءً جماعياً.

بول شاوول