بالإذن

.. في الحكومة

حكومة الضرورة المرتقبة عندنا قد تكون من "أهم" الحكومات في المرحلة التي نشأت غَدَاة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. يكفيها (فقط!) أن التحديات المالية والاقتصادية التي ستتصدى لها هي من النوع الذي يُطلِق عليه أهل العلم والاختصاص، صِفة التاريخي أو غير المسبوق!

وليس التهويل عدّة التبرير ولا التحليل بل المرئيات والمخفيّات في الأرقام والحقائق والوقائع المتراكمة أمام أصحاب الشأن عندنا وعند غيرنا، وتلك في جملتها تقول إن الوضع اللبناني العليل بلغ الذروة في علله! ووصل الى نقطة الامتلاء.. أو هو على بعد خطوات من ذلك! وأن الجهود المحمومة والدؤوبة التي بذلها الرئيس سعد الحريري في الفترة الماضية، أنتجت وأثمرت مقررات إنقاذية دولية "في الوقت المناسب" تماماً بتاتاً سوى أن "الترف" في السياسة ومشتقاتها وسوء الحسابات أو أنانيتها عند البعض كانا أن يجعلا من ذلك التوقيت عنوان انهيار وليس العكس!

وذلك "الترف" أو الفائض منه، كان لا يزال يتحكّم بأداء ذلك البعض، بحيث أن الخلط بين الذاتي والعام لم يلحظ عندهم أن السيبة مكسورة! وان ما كان ممكناً في السابق لم يعد متوافراً اليوم. وأن الركون المطمئن الى بديهيات تلقّف الخارج لمآزق الداخل بما يمنع الانهيار، أو "يغطّي" المأزق السياسي بالفرج المالي لم يعد وارداً، ولا متوقّعاً.. بل يصحّ الافتراض بأن مؤتمر "سيدر" قد يكون الأخير من نوعه في حال لم "ينتبه" اللبنانيون الى واقعهم! ولم يتواضعوا في حساباتهم وقراءاتهم.. أو كما قال أحد كبار المسؤولين في قصر الإليزيه أخيراً، في حال "لم يساعدنا اللبنانيون على مساعدتهم"!

ضمرت الرحابة السابقة التي تمتّع بها لبنان عربياً ودولياً. ولم تعد التلقائية (العربية خصوصاً وتحديداً) فريضة في الأداء، ولا ركناً مكيناً في السياسة المتبّعة إزاء بلدنا. بل قاصر ناكر مَنْ يتغاضى أو يتغافل عن الوقائع المستجدّة، وعن مسؤولية بعض اللبنانيين في توليد تلك الوقائع، وفي إنضاج "وعي" مضاد للرحابة السابقة. وللفصل الدائم بين لبنان "وبعض" اللبنانيين! وبين لبنان "الدولة" وأداء بعض المسؤولين فيها.. بل أنه صار أمراً عبثياً وغير سوي ولا منطقي الاستمرار في التطنيش (عربياً) عن السياسات والممارسات العدائية النافرة والجافة والصَلِفة التي اعتمدتها قوى تنظيمية وحزبية لبنانية كبيرة ومتمكّنة إزاء المجموع العربي لمصلحة "المجموع الإيراني"!

تتقاطع جملة معطيات لتوليد الفرصة الراهنة وإنتاج معطى إيجابي من حقائق سلبية.. أي أن "يستفيد" لبنان من بلوغ التأزيم المالي والاقتصادي والخدماتي فيه مستويات خطيرة وحمراء قانية في اللحظة التي وصل التأزيم في الواقع العربي والدولي والإيراني مستويات لا تقلّ خطورة ولا احمراراً.. بحيث صار القرار السياسي بتنفيس الاحتقان الصدامي خارجياً (أو بعضه) مُولّداً لإمكانية نضوج تشكيلة حكومية محلية تتولى أولاً وأساساً وقف الانحدار في ثلاثية المال والاقتصاد والخدمات.. وليس أمراً باعثاً على الفرفشة والحبور الافتراض المعاكس: ماذا لو لم يحصل ذلك التقاطع؟! وماذا لو لم "تشعر" إيران بوطأة الهجوم السياسي والديبلوماسي والعقوباتي عليها؟! وماذا لو لم يتوقف "الزحف" عند أبواب إدلب السورية؟!

حكومة الضرورة ليست التشكيلة المثالية لكنها وليدة أحكام الجغرافيا السياسية الإقليمية والدولية، والأرقام والحقائق المالية والاقتصادية المحلية.. والباقي المتعلّق بالأوزان والأحجام والطموحات هو ترف في غير أوانه ومكانه!

علي نون