بتاريخ اليوم من العام 2012، طالت يد الحقد والإجرام أحد أهم أبرز القادة الأمنيين الذين مرّوا في تاريخ لبنان، ففي ذلك اليوم وتحديداً في حَي "إبراهيم المنذر" في منطقة الأشرفية، هزّ عند الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة، إنفجار ضخم أرجاء العاصمة ليدخل الجميع بعدها في صمت وسط تكهّنات حول هويّة الشخصية المُستهدفة خصوصاً وأن سلسلة من التفجيرات من النوعية نفسها سبق أن استهدفت شخصيّات سياسية وأمنية وعسكرية. لكن الإستنتاجات والتكهنات لم تدم طويلاً إذ بعد ساعتين تقريباً، انتشر الخبر اليقين بأن اللواء وسام الحسن هو المستهدف بعبوة تفوق زنتها الخمسين كيلوغراماً من المواد الشديدة الانفجار.

هي ضربة لا تعوض، ولا حتّى يمكن التعويض عليها فلقد تلقى لبنان و"شعبة المعلومات" يومها ضربة أكثر من قاسية حتّى أنها أدخلت البلد مرحلة جديدة من اللا إستقرار الأمني والسياسي خصوصاً وأن السنوات التي تلت الفاجعة، كانت استشهاد العديد من الشخصيات من ضمنها محاولات أخرى كانت باءت بالفشل. وقد اعتُبر اغتيال الحسن الأكبر منذ ما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لأن المقصود كان، قطع الرأس الذي يُدير أهم جهاز امني من بين الأجهزة الأمنية في لبنان والمنطقة، علماً أن أحداً من الضبّاط في المديرية العامة في قوى الأمن الداخلي و"المعلومات" أو حتّى السياسيين، لم يكن يعلم بوجود الحسن في لبنان، ولا حتّى المقربين منه ولا عائلته، ما يؤكد أن عملية الرصد كانت منذ هبوط طائرته في مطار رفيق الحريري الدولي إلى حين الوصول إلى شقته في الأشرفية.

إنصافاً لتاريخ الشهيد الذي يشهد له ولإنجازاته غير المحصورة الصغير قبل الكبير، يُمكن الجزم بانه لعب دوراً بارزاً وأساسيّاً في تثبيت عامل الإستقرار في البلد منذ أن تولى رئاسة "المعلومات" التي حوّلها بفضل جهوده وجهود رفاقه في قوى الأمن الداخلي وبدعم وإصرار من الرئيس سعد الحريري، من "فرع" إلى "شُعبة" بات يُضرب لها ألف حساب، وهو الذي تمكن على رأس هذا الجهاز من احباط العديد من المخططات التي كان يمكن ان تستهدف استقرار لبنان مثل تفكيك شبكات تجسس إسرائيلية والقبض على مجموعات إرهابية تتبع لتنظيم "القاعدة" و"فتح الاسلام"، وصولاً إلى إسقاطه ما عُرف بشبكة (سماحة - مملوك) والتي كانت السبب الأساس لإزاحته من الطريق ليتسنى يومها للعابثين بالأمن النجاح في مهماتهم كونه كان يشكل العقبة الاساس في وجههم ومنعهم من تنفيذ مشاريعهم ومخططاتهم الاجرامية، فصدر القرار بإزاحته عن الطريق بطريقة مُحكمة لا يُمكن الافلات منها خصوصاً في ظل المعلومات التي وردت لاحقاً عن تجهيز سيارة مفخخة تكون بديلة في حال نجا بحياته من الأولى.

من المعروف أن الهاجس الأبرز الذي كان يستحوذ على فكر الشهيد الحسن قبل اغتياله وعلى فكر مجموعة من الضباط الذين كان يثق بهم، هو الوصول في التحقيق باغتيال الرئيس الحريري إلى نتائج تكشف الجهة المتورطة، إن على صعيد الشهود او حتى المتهمين، وقد كان توصّل فعلاً إلى مجموعة قرائن تحدد هذه الجهة. لكن كان هناك أيضاً انجازات كافية لأن تضعه في عين العاصفة مثل: اعتقال متهمين في قضية إغتيال الرئيس الحريري والكشف عن مجموعة من "داتا" اتصالات تتعلق بعملية الاغتيال، توقيف ما يزيد عن ثلاثين شبكة تجسس تعمل لصالح إسرائيل، أبرزها مجموعة العميل العميد المتقاعد اديب العلم والعميد المتقاعد فايز كرم، الكشف عن جريمة "عين علق"، اعتقال احد منفذي عملية استهداف قوّة من "اليونيفل" بعبوة ناسفة في منطقة القاسمية. كما تمكنت "الشعبة" برئاسته من اكتشاف العديد من التفجيرات التي كانت وقعت في أمكنى متعددة مثل: ثكنة فخرالدين، التل، العبد والبحصاص وتمكنت من التقاط خيوط حول انفجار وقع في منطقة "القزاز" في دمشق في السابع والعشرين من ايلول العام 2008.

كل من عاصر الشهيد الحسن في حياته، من أصدقاء وأقارب، جميعهم يؤكدون أن الرجل كان يتخذ في حياته جميع الاحتياطات الأمنية والتمويهات في المواكب بالإضافة إلى السريّة البالغة التي كان يعتمدها في تنقلاته، ويُشدد هؤلاء على أن كل هذه الاحتياطات، جعلت منه الرجل الذي لا يُمكن اغتياله بسهولة، خصوصاً وأنه في كثير من الأحيان كان يصِل إلى منزل أو مكتب صديق، في توقيت كان يختاره هو من دون تحديد موعد مسبق، وكثيراً ما كان يُفاجئ حتّى أشد المقربين اليه بمثل هذه الزيارات. وبناء على هذه المواصفات التي تمتّع بها في حياته، يُمكن الجزم بأنّ عملية إغتياله قد جرى الإعداد لها بطريقة منظمة ومحترفة بين رصد ميداني وتحضير، إضافة إلى توزيع عناصر المراقبة على الطرق التي يمكن أن يسلكها، وهذا بحاجة إمّا إلى أنظمة وأجهزة أمنية كبيرة، أو إلى جهة محلية كانت أم خارجية، تمتلك هذه المواصفات.

كل ما ورد سلفاً كان أهم المحطات التي آثرت في أن يكون اللواء الشهيد هدفاً لإسرائيل من ناحية والنظام السوري وأزلامه من ناحية أخرى، ولذلك يُمكن الجزم بأن عملية الإغتيال كانت محطة فاصلة في الحالة السياسية التي وصل اليها لبنان لا سيما بعد التداعيات التي كان عاشها هذا البلد على الساحة الأمنية والتسيّب المقصود خصوصاً وأن الحسن لم يكن بعيداً عن الكثير من المعلومات التي تتعلق بعمليات استهداف للكثير من الشخصيات السياسية والأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى كونه كان الأكثر إطلاعاً على الفبركات التي تفنّن بها النظام السوري وحلفاؤه لحرف الأنظار عن المتهم الحقيقي في "جريمة العصر" التي أودت بحياة الرئيس الحريري.