لم تسرِ حسابات شاكر البرجاوي رئيس «التيار العربي» التي «أجراها» خارجاً قبل أن تطأ قدماه أرض المحكمة العسكرية أمس، على ما آلت إليه مجريات محاكمته بتهمة جنائية «تحوّلت» إلى جنحية، عندما أعلنت المحكمة تبرئته من جناية الإرهاب والقتل ومحاولة القتل وزعزعة السلم الأهلي وحكمت عليه غيابياً بالسجن مدة سنة في شباط الماضي بجرم إقدامه في محلة المدينة الرياضية على نقل سلاح حربي من دون ترخيص وإطلاق النار منه وإحداث تخريب في الممتلكات العامة.

برجاوي الذي كان يمنّي نفسه بالحصول على«صك براءة» ثانٍ من المحكمة في جلسة أرادها أن تكون «يتيمة» بتسليم نفسه للقضاء إنفاذاً للحكم الغيابي الصادر بحقه، واستجوابه وصدور الحكم في جلسة واحدة، اصطدم بموقف النيابة العامة العسكرية الحازم، موقف تمثل بإصرار ممثل النيابة العامة القاضي هاني حلمي الحجار على طلب الاستمهال لاتخاذ موقف من «الإرباك الإجرائي» الذي شاب الملف برمته. وقد استجاب له رئيس المحكمة العميد الركن حسين عبدالله بعد نقاش مستفيض مع القاضي الحجار الذي طلب مهلة 48 ساعة، بحيث تقرر في ضوء ذلك إرجاء الجلسة إلى يوم غد الجمعة للمرافعة والحكم.

غير أن قرار توقيف البرجاوي قد يدوم إلى الغد فقط، تاريخ جلسة المرافعة والحكم، ما يُشكّل «فضيحة» قضائية أضحت تحت مجهر الرأي العام وكل المعنيين بمتابعة هذا الملف، سيما وأنّ ملف البرجاوي قد يكون الملف الوحيد الذي يُسجّل فضيحتين: فضيحة تبرئته المدوية من تهم الجنايات أثناء ملاحقته غيابياً (وتُعتبر بالتالي قرينة فراره إدانة بحد ذاتها)، وفضيحة مدوية أخرى في حال إطلاق سراحه غداً.

وفي ضوء مجريات المحاكمة، بدا الإرباك على البرجاوي كما موكله المحامي معن الأسعد، الذي سارع إلى طلب إخلاء سبيل موكله بعد تنفيذ مذكرة التوقيف الغيابية الصادرة بحقه منذ العام 2014، ليُحال الملف إلى النيابة العامة لإبداء رأيها بشأن مذكرة التوقيف.

وخلال استجواب البرجاوي أمس، أنكر أي علاقة له بإشكال «المدينة الرياضية»، وذهب إلى حدّ التنصل من مرافقه بلال الزير الذي حوكم سابقاً، واعترف بوجود أسلحة في مكتب «التيار العربي» والتي استخدمت في ذلك الإشكال.

وأبعد من ذلك، فإنّ البرجاوي وبعد تمسكه بإنكار ما أدلى به محكومون سابقون حول تسلّحهم وإجرائهم تدريبات في مركز حزبه، حاول إعطاء القضية بعداً سياسياً ومنه وضع نفسه في موضع الضحية «والافتراء السياسي عليّ كرئيس حزب»، وهو الأمر الذي لم يلمسه في حوادث أخرى، كتلك التي شهدتها في الفترة الأخيرة بلدة الشويفات بين «الحزب الديموقراطي» و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، قائلاً: «ما شفت حدا ادعى على طلال ارسلان أو وليد جنبلاط».

في مستهل استجوابه أمس، ربط البرجاوي «الخطة الأمنية في البقاع» بصدور مذكرة توقيف غيابية بحقه في «إشكال المدينة الرياضية»، مدعياً أنه لم يكن له أي علاقة بهذا الإشكال إنما دوره اقتصر على طلب تدخل الجيش اللبناني و«إعلام اللجنة الأمنية»، أما كيف لم يعرف بجلسات المحاكمة التي فاقت العشر جلسات وتغيّبه عن حضورها، فزعم البرجاوي أنه لم يعلم بها ولم يتبلغ طوال تلك الفترة بحيث بقي في منزله في عرمون.

واجه رئيس المحكمة المدعى عليه بإفادات المحكومين سابقاً الذين أجمعوا على أنهم استحصلوا على السلاح من مركز الحزب، لينكر علمه بذلك، ومبرراً في الوقت نفسه الموضوع بالقول: «كل الشعب اللبناني بحوزته السلاح».

على زعامة «زاروب» بدأ الإشكال ليلتها ليتجدد في اليوم التالي حين تم توقيف أحد الأشخاص واقتياده إلى المركز وضربه، حيث علم بالأمر البرجاوي من مرافقه المحكوم سمير المغربي، ولم يتوجه حينها إلى المكان الذي لم يزره أبداً، بحسب ادعائه، وذهب إلى حد القول: «لا مكتب لدينا هناك فأنا لست مسؤول المنطقة أنا رئيس حزب».

وعما يؤكده أحد مسلحي البرجاوي من الحصول على الأسلحة من مركز حزبه، أنكر الأخير ذلك مراراً: «لا سلاح لدينا»، وأضاف: «نحن لسنا حزباً مسلحاً إنما تنظيم سياسي، وما حصل إشكال فردي وطلبت من المغربي التدخل لحلّه».

وبسؤاله: «طالما تقول إنه لا يوجد لديكم سلاح فمن أين استحصل عناصرك على الأسلحة التي استخدموها في الإشكال وثمة إفادات تؤكد ذلك؟»، أجاب البرجاوي: «لم نسلّم أحداً السلاح ولا أعرف إذا كان حراس المركز بحوزتهم أي أسلحة». أما عما قاله أحدهم بأنه تدرّب على السلاح في المركز، فاكتفى بالنفي: «ما عندي علم». ليضيف البرجاوي مصوّباً سهامه باتجاه «تيار المستقبل» ... فيقاطعه رئيس المحكمة، موضحاً بأنه سبق للمحكمة أن أصدرت أحكامها بهذه القضية «على الطرفين المشاركين في الإشكال»، ليعود البرجاوي ويقول متوجهاً إلى رئيس المحكمة: «كن أكيداً أنني لو أعطيت أمراً بالهجوم أو المشاركة في الإشكال فأنا أملك الجرأة لاعترف بذلك»، ليعقّب رئيس المحكمة على كلامه بالإشارة إلى تبرئته من المواد الجنائية وأنه ملاحق حالياً «بالسلاح فقط». وعاد البرجاوي لـ«يُذكّر»، بما أسماه «محاولة قتله عام 2012» وأنه «لا يزال ينتظر القضاء والتحقيق في ذلك»، وأنه لو أراد القيام بردة فعل لقام بها في ذلك العام.

وقبل أن يطرح ممثل النيابة العامة أسئلته، أشار إلى أنّ البرجاوي كان ملاحقاً في الأساس بمواد جنائية، وقد صدرت مذكرة توقيف غيابية بحقه، موضحاً أنّ النيابة العامة ميّزت حكم المحكمة الذي قضى ببراءة المدعى عليه من تلك الجرائم وحكمت عليه بـ«السلاح فقط»، وأنّ محكمة التمييز العسكرية وافقت على طلب نقض الحكم في الشكل والأساس ليتبيّن أنّ المحكوم غيابياً قد تقدّم باعتراض أمام المحكمة العسكرية للحكم الجنحي الغيابي الصادر بحقه، فقررت حينها «التمييز العسكرية» إعادة الملف إلى المحكمة العسكرية.

وتابع القاضي الحجار لافتاً إلى أنه ثمة «إرباك إجرائي»، وأنّ المحكمة تُحاكم المدعى عليه حالياً بالجنحة على أساس الطعن بالحكم الغيابي، وقال: «إلى جانب حقوق المدعى عليه التي نصونها فإنّ ثمة حقوقاً للنيابة العامة أيضاً التي طعنت بالحكم لجهة المواد الجنائية، ونحن نعتبر أنّ مذكرة التوقيف الصادرة بحق البرجاوي ليست متعلقة فقط بالتهمة الجنحية وإنما بالجنائية أيضاً ولم يُبرم أي قرار بهذا الشأن».

فكان تأكيد من رئيس المحكمة بأنّ مذكرة التوقيف الغيابية تم تنفيذها بالبرجاوي و«فيكم تميزوا»، ليستوضح القاضي الحجار مجدداً: «هل أنّ مذكرة التوقيف صادرة على أساس التهم الجنائية أو الجنحية»؟، على اعتبار أن المدعى عليه لم يمثل أساساً في الملف الجنائي. ورأى رئيس المحكمة أن إشكالية التمييز واضحة إنما لا علاقة لها بمذكرة التوقيف لأن «التمييز لا يوقف التنفيذ»، فيما اعتبر القاضي الحجار أنّ النيابة العامة لم تعرف مصير الجنايات الملاحق بها المدعى عليه، وانتهى إلى طلب الاستمهال للاطلاع، موضحاً أنّ مذكرة التوقيف جزء لا يتجزأ من الملف.

وبعد أن تلا رئيس المحكمة قرار محكمة التمييز الذي انتهى إلى إعادة محاكمة البرجاوي، علّق ممثل النيابة العامة سائلاً: إذا كانت محكمة التمييز قد قبلت نقض النيابة العامة بالجرائم الجنائية التي بُرّئ منها البرجاوي فأين الملف الجنائي؟. عندها أوضح رئيس المحكمة قائلاً: «عدنا إلى ما قبل قبول التمييز»، وأضاف أنّ المحكمة تكتفي بمحاكمة البرجاوي بالجنحة وهناك «إرباك إجرائي» صحيح، و«قد يتطلب هذا الأمر اجتهاداً قضائياً»، ليؤكد بعدها القاضي الحجار بأنّ النيابة العامة تحترم قناعة المحكمة «إنما حقنا في أن نصون الطعن والحقوق الإجرائية، خصوصاً أنّ الملف يتعلق بزعزعة السلم الأهلي».

حينها تدخّل وكيل الدفاع عن البرجاوي معتبراً من جهته أنّ «الإشكال الإجرائي لا علاقة له بالدعوى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المزج بين التهمتين الجنائية والجنحية». غير أنّ النقاش انتهى إلى رفع الجلسة بناء على استمهال القاضي الحجار.

الأمين

قضائياً أيضاً، برز أمس امتثال الصحافي المناهض للعدالة الدولية في كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى أحكام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من خلال إقدامه على تسديد غرامة قدرها 20 ألف يورو لرئيس قلم المحكمة، راضخاً بذلك للحكم الذي أصدره بحقه القاضي الناظر في قضايا التحقير نيكولا لتييري في 29 آب 2016.

وأعلنت المحكمة الخاصة بلبنان في بيان أمس، أنّ «إبراهيم الأمين استجاب للحكم الذي أصدره بحقه القاضي لتييري، فقد تسلّم رئيس قلم المحكمة الخاصة بلبنان، في 14 آب 2018، الغرامة المفروضة عليه والبالغة 20000 يورو. ونتيجة لهذه المستجدات، قرّر القاضي لتييري رفع السرية عن إجراءات التنفيذ ضد السيد الأمين ويمكن الآن الاطلاع على مستندات هذه الإجراءات التي باتت علنية في الموقع الإلكتروني للمحكمة الخاصة بلبنان».

وإذ أوضحت أن «الغرامة المفروضة على شركة أخبار بيروت، ش.م.ل. والبالغة 6000 يورو لم تُدفع بعد وضمان تنفيذ الحكم بها التزام قائم على عاتق السلطات اللبنانية»، ذكّرت المحكمة بأنه «في 31 كانون الثاني 2014، اتُهم ابراهيم محمد علي الأمين وشركة أخبار بيروت‏ ش.م.ل. بارتكاب جرم التحقير وعرقلة سير العدالة أمام المحكمة الخاصة بلبنان بسبب تقارير إعلامية تضمنت معلومات عن شهود سريين مزعومين للمحكمة الخاصة بلبنان. وهاتان التهمتان أُسندتا إليهما عملًا بالمادة 60 مكرر، الفقرة (ألف) من قواعد الإجراءات والإثبات، التي تنص على أنه يجوز للمحكمة أن تتهم بجرم التحقير الأشخاص الذين يعرقلون سير العدالة عن علم وقصد وقد اتُّهم كل من ‏السيد الأمين وشركة أخبار بيروت‏ ش.م.ل. بتهمة واحدة هي عرقلة سير العدالة عن علم وقصد».

وأشارت إلى أن «المحاكمة في القضية STL-14-06 افتُتحت ‏‏أمام القاضي الناظر في قضايا التحقير نيكولا لتييري في 24 ‏ شباط 2016 بمرافعتين افتتاحيتين لصديق المحكمة للادعاء وجهة الدفاع، وقدم صديق المحكمة مطالعته في الفترة من 24 إلى 26 شباط و29 شباط و1 آذار 2016 وعرضت جهة الدفاع قضيتها من 7 إلى 8 نيسان وقدم الفريقان مرافعتيهما الختاميتين في 13 أيار 2016».

ولفتت إلى أن «القاضي الناظر في قضايا التحقير أصدر حكماً في 15 تموز 2016، ‏أدان فيه ‏المتهمين بتهمة ارتكاب جرم واحد هو التحقير لقيامهما ‏بعرقلة سير العدالة عن علم وقصد من خلال نشر معلومات عن شهود سرّيين مزعومين في قضية عياش وآخرين، مقوّضَين بذلك ثقة الرأي العام بقدرة المحكمة على حماية سرية المعلومات المتعلقة بالشهود، أو بشهود محتملين، أو سرية المعلومات التي يقدّمونها‏. وفي 29 آب 2016، حُكم على السيد الأمين بدفع غرامة بمبلغ‏ 20000 يورو وعلى شركة أخبار بيروت ش.م.ل. بدفع غرامة بمبلغ 6000 يورو، ولم يستأنف أي منهما هذا الحكم. وأمر القاضي الناظر في قضايا التحقير أيضاً بدفع الغرامتين في مهلة أقصاها 30 أيلول 2016 ولم يدفع السيد الأمين غرامته في تلك المهلة».

أضافت: «بعد أن اتُّخذ عدد من التدابير لتنفيذ الحكم، دعماً لقرارات عدة صادرة عن القاضي الناظر في قضايا التحقير، أودعت الغرامة البالغة 20000 يورو بكاملها لدى قلم المحكمة في 14 آب 2018، أما الغرامة البالغة 6000 يورو المفروضة على شركة أخبار بيروت ش.م.ل. فلم تُدفع بعد وما زالت السلطات اللبنانية مُلزمة بتنفيذ الحكم».