اللحظة الإقليمية مضطربة، متقلّبة، خطرة. التفاعل معها يستلزم حدّاً أدنى من المعايير المتماسكة والمنسجمة. يستلزم في الوقت عينه مزاوجة بين المعايير ورزمة القيم وبين الإدراك الواقعي بأن اللحظة الحالية حبلى باحتمالات متناقضة شتّى ليس بالمتّسع ُمسبقاً الشطح باتجاه ترجيح أي منها. التحدّي، كل التحدّي، يكمن في هذه المزاوجة، وفي العمل على تجديدها أوّلاً بأوّل. الحذر والتأنّي ضروريان، لكن أيضاً للوقت اعتباره، والوقت لا يتساهل دائماً مع المتباطئين. فهذه مرحلة انتقال من أحوال خبرناها مطوّلاً في العقود الماضية، إلى أفق جديد تُخفيه عند كل منعطف غمامة.

الاصطفافات والاستقطابات التي عرفناها في السنوات الماضية وصلت، على الصعيد الإقليمي، إما الى طريق مسدود، وإما الى لحظة إعادة خلط أوراق عسيرة ومرهقة. ليس قليلاً ما عشناه في العشرية الماضية.

لبنانياً، انقسام بين ساحتَي 8 و14، بين سيادوية وبين ممانعة. سيادوية كابرت مطوّلاً على عناصرها المتناقضة وظلت معجونة بأوهام عديدة، وفرع لبناني لمنظومة الممانعة تعاطى بكل تغلّبية مع المكوّنات الوطنية الأخرى، ليكتشف مرة واثنتين وثلاثاً، ان التغلّب شيء وتحويل هذا التغلّب الى منهج مستدام وثابت شيء آخر. ثم أخذ هذا الانقسام يتحلّل، انطلاقاً من ظهور التناقضات التي كانت تجري المكابرة عليها في المشروع السيادي، والتي لا تحول دون أن يكون سيادياً بشكل شامل، ومرتبط بتصوّر عملي موحّد حول الإصلاح في التجربة اللبنانية، من أول قانون الانتخابات حتى سائر الملفات.

إقليمياً، قبل 2011 وبعد 2011. بالأحرى ثلاث مراحل. مرحلة ما قبل انتفاضة الشعوب العربية، ومرحلة مع انتفاضاتها والظهور السريع لأزمة هذه الانتفاضة كأزمة قيادة وتنظيم ووعي وطرح، وأزمة تحديد المشترك بين كل الانتفاضات الشعبية. ثم مرحلة الانقضاض على نموذج هذه الانتفاضات، بالاستفادة من مشكلاتها الداخلية. وهذه هي المرحلة التي تعصف بنا بأشكال ومشاهد مختلفة منذ خمس سنوات: الثورة المضادة المتعددة المعاني، والمستمرة على مراحل. في نفس الوقت، كلّ يرى الثورة المضادة للربيع في عين الآخر، وكلّ يذوب شيئاً فشيئاً في منطق الثورة المضادة الذي مختصره ان الاستقرار أَوْلى من الحرية، وهذا منطق جالب بحد ذاته لانعدام الاستقرار، تماماً مثلما أن المنظار الاختزالي للحرية، الذي يصرفها عن كل مضمون اجتماعي، وعن كل فكر تقدّمي كونيّ، هو متسبّب اساسي في ضياع قسم غير كليل من نضالات الناس إبّان الانتفاضات الشعبية العربية.

وبعد أن كان ممكناً تحديد "النحن" في المرحلة السابقة، ايام التصادم بين سيادوية وممانعة في لبنان، او بين القديم والجديد في الربيع العربي، صرنا الى وضع تصير الاجابة على سؤال "من نحن؟"، "من نحن بعد كل هذه السنين؟"، هو سؤال كاشف لضحالة اجابات عديدة حوله، لا تزال تعيش في ذهنية مرحلة منقضية، او تختصر الواقع في معطى تشتهيه وتسقط عنه السمات الأخرى. "النحن السيادية" لبنانياً، "والنحن الربيعية" عربياً، أكلتهما تناقضاتهما، وتغلّب الأخصام عليهما. أكثر فأكثر، عمّ الفصام السياسي. أن تكون مع الشيء ونقيضه في آن. أن لا تكون كفاعلية مشاركة واعية مسائلة تأخذ بالبيّنة والحجّة والتداول وبلورة القناعة. أن تفقد ذاتيّتك النقدية والمسافة بينك وبين الاحداث.

الاستقطاب الجديد لا يولد بين ليلة وضحاها. داخلياً، هذا يعني كل من له مصلحة وقناعة في تقدم بلاده وسعادة شعبه، وفي توسيع المشاركة الشعبية وجعلها منتظمة وفعلية، وفي الربط بين تحكيم القانون على كل اراضي الجمهورية وبين التأسيس على مساعي التسوية والتسويات النصفية في الفترة الماضية الى حيث تسوية أكثر شمولية تُعيد انتاج مناعة داخلية بإزاء تقلّبات الإقليم، بدلاً من الاستلاب بهذه التقلّبات والظرفيات. لكن هل ينتج هذا "نحن" جديدة؟ "نحن" غير منطوية على نفسها، غير متمحورة على سياسة الهوية، وملموسة، من لحم ودم في نفس الوقت؟

أول البحث عن هذه "النحن" الجديدة يتكثّف في عنوان كتاب مرجعي أساسي للفيلسوف هانس جوناس: "مبدأ المسؤولية".