يعود تاريخ وجود مؤسسات لرعاية كبير السن في لبنان إلى بداية القرن العشرين حيث كان لها دور محدود يقتصر على إيواء كبار السن المشردين، وتقديم بعض الخدمات الفندقية لهم من طعام وشراب ومنامة مع مراقبة طبية محدودة. مع منتصف القرن العشرين، ومع اهتمام المؤسسات اللبنانية ذات الطابع الديني، تتالى إنشاء المؤسسات الخيرية والدينية لرعاية كبار السن، وتطورت فكرة الخدمة المؤسساتية، فأصبحت تتميز ليس فقط بالخدمة الفندقية بل رافق ذلك العناية الطبية والتمريضية. ومع نهاية القرن العشرين، أصبح في لبنان مؤسسات متخصصة لرعاية كبار السن خصوصاً العجزة منهم.

اليوم، تشهد دول العالم، فقيرة كانت أو غنية، صناعية أو نامية، تطوراً ديموغرافياً بالغ الأهمية، نتيجة النمو السريع للشريحة العمرية من 65 عاماً وما فوق، وذلك نتيجة التحسن الملموس للخدمات الصحية ما أدى إلى زيادة في العمر في لبنان من 66 سنة عام 1970 الى 74 سنة عام 2004. هذا التحول الديموغرافي، إلى جانب الحروب المتتالية التي حصدت جانباً من فئة الشباب، بالإضافة إلى الهجرة، كلها عوامل مجتمعية ساهمت في توسيع قاعدة المسنين/ات بحيث ناهز عددهم حوالى 362,000 شخص أي ما يعادل 9,6% من مجموع السكان استناداً إلى دراسة الأحوال المعيشية للأسر في العام 2007 التي أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية وادارة الإحصاء المركزي بدعم من undp، وilo. وبحسب المسح الوطني للأحوال المعيشية للأسر المنفذ من جانب إدارة الإحصاء المركزي في العام 2012، شكّل كبار السن في لبنان من عمر 65 سنة وما فوق، نسبة 11,9% من إجمالي السكان المقيمين في لبنان (50,8% رجال و49,2% سيدات)، وفي ذلك إشارة واضحة إلى ارتفاع نسبة كبار السن.

وبحسب دراسة الأحوال المعيشية للأسر 2007، فالتغيرات التي حدثت في السنوات الأخيرة في المجتمع اللبناني، زادت الأعباء الاقتصادية على كاهل الأسرة اللبنانية، الأمر الذي أدى إلى بعض التحولات ضمن الأسرة اللبنانية لا سيما على مكان إقامة المسنين/ات. فنسبة 77% من كبار السن يعيشون في منزلهم الخاص مع آخرين و11% يعيشون في منزل أشخاص آخرين. ويشير المسح الوطني للعام 2012 إلى أن 32,5% من كبار السن يعيشون في منزل مستقل، 60,3% في شقة في مبنى مستقل مقابل 7,2% يعيشون في فيلا أو مسكن مرتجل كتخشيبة أو كوخ أو غرفة ناطور، وهي نسب متقاربة مع دراسة العام 2007. وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، يواصل العديد من كبار السن ممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ويعزو كثيرون ذلك إلى غياب أو محدودية التأمينات والحماية الاجتماعية وغياب أو قصور معاش التقاعد عن توفير مستلزمات الحياة الكريمة، فيواصلون العمل بعد بلوغ 64 عاماً لتأمين متطلبات الأسرة إلى جانب شريحة ممّن يرغبون بالاستمرار في المشاركة والحركة والعطاء والإنتاجية. وتشير إحصاءات العام 2007 إلى أن 14% من مجموع المسنين/ات يستمرون في العمل بعد بلوغهم السن القانوني ويشكلون 4,5% من نسبة العاملين/ات في لبنان مع فارق جندري كبير حيث بلغت نسبة العاملين المسنين من الذكور 94,5% مقابل 5,5% من المسنات العاملات في عام 2007. ويلفت المسح الوطني في العام 2012 إلى أن نسبة 18% من كبار السن لا زالوا يعملون وذلك يعود بدرجة أساسية إلى الحاجة المستمرة للدخل.

وتشير أرقام العام 2007 إلى أن نسبة 70,3% من كبار السن يعانون من الأمراض المزمنة، و49,5% من كبار السن يستفيدون من التغطية الصحية من أحد الصناديق الضامنة (تعاونية موظفي الدولة، ضمان القوى العسكرية، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، شركات تأمين) في حين أن نسبة 50,4% من كبار السن لا يستفيدون من أي تأمين أو تغطية صحية. أما بحسب المسح الوطني للعام 2012، يستفيد من أحد مصادر التأمين الصحي 64,8% من كبار السن مقابل 35,2% لا يستفيدون من أي مصدر. وفي ذلك دلالة واضحة على تحسن التغطية الصحية في لبنان وتوافرها لعدد أكبر من كبار السن.

هذا الواقع، يحتم على الدولة، إدراج المسنين في أولوياتها أينما كانوا، شأنهم شأن الأجيال الصاعدة خصوصاً أن المقاييس والمعايير العائلية والمجتمعية تغيرت، وعليه، تولي وزارة الشؤون الاجتماعية، اهتماماً خاصاً لقضايا كبار السن، وتؤمن لهم العديد من البرامج والخدمات الصحية والاجتماعية، ويأتي ذلك ترجمة لالتزام لبنان بالتوصيات الصادرة عن مؤتمر مدريد للشيخوخة 2002. ويبقى إقرار قانون ضمان الشيخوخة حاجة ملحة على المستوى الوطني لأنه يحفظ لكبار السن بعض حقوقهم المشروعة، وضرورة أن تتحرك الدولة لإقامة دور رعاية لكبار السن بشقيها، الإقامة الدائمة والرعاية النهارية، وعدم الاستجابة للواقع المستجد سيفاقم الصعوبات والمشاكل الاجتماعية.

"ضمان الشيخوخة" أولوية

أكدت رئيسة مصلحة الشؤون الأسرية بالتكليف في وزارة الشؤون الاجتماعية فرناند ابو حيدر أن «الوزارة تولي اهتماماً خاصاً لقضايا كبار السن، وهم من الفئات التي تخصص لهم العديد من البرامج والأنشطة. على مستوى الخدمات المؤمنة لكبار السن، تقدم الوزارة خدمات رعائية، وذلك عبر المؤسسات الرعائية المتعاقدة معها (30 مؤسسة)، وهناك الخدمات الصحية والاجتماعية تؤمنها أما مباشرة من خلال مراكز الخدمات الإنمائية التابعة لها في مختلف المناطق أو من خلال جمعيات أهلية متعاقدة معها. كما هناك كبار السن حاملو بطاقة المعوق يستفيدون من خدمات الوزارة، والعديد من الأسر المصنفة الأكثر فقراً وبينهم عدد كبير من المسنين يستفيدون من التقديمات».

ولفتت إلى أن «الأرقام التي أظهرتها دراسة الأحوال المعيشية للأسر سنة 2007 قد تكون مفاجئة حيث أظهرت أن نسبة قليلة جداً من كبار السن يقيمون في مؤسسات رعائية. إن التبدلات التي تشهدها الأسر اليوم مع التحديات التي تواجهها من ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة بالإضافة إلى التبدلات على مستوى العلاقات الأسرية، كل ذلك يؤثر على وجود كبير السن ضمن أسرته وبيئته، لكن نحن كوزارة نشدد على البرامج وتنفيذ الأنشطة التي تتيح بقاء كبير السن أطول فترة ممكنة في منزله، وأن لا تكون المؤسسة الرعائية هي البديل لأن كبير السن قيمة، وذلك من خلال المراكز الصحية التي تؤمن معاينات طبية وأدوية لكبير السن كما أن النوادي النهارية تساهم في هذا الإطار بالإضافة إلى الخدمة المتاخمة التي تؤمنها الوزارة بشكل مجاني، وتساعد على استقلالية كبير السن وتسهل حركته اليومية مثل العكازات والكرسي المتحرك».

وأضافت: «الوزارة أطلقت قبل سنتين مشروع الإفادة من خبرات المتقاعدين بهدف مشاركتهم بشكل فاعل في الحياة اليومية وفي التخطيط وتنفيذ مشاريع تنموية في مجتمعاتهم المحلية، وننفذ حالياً مشروعاً نموذجياً هو إعداد دليل توجيهي لبناء المدن الصديقة لكبار السن، وذلك استكمالاً للبرامج الهادفة، والذي ينطلق من مقاربة تلتقي فيها وزارة الشؤون مع جمعيات أهلية ومع البلديات، وينفذ المشروع حالياً في زغرتا حيث نقوم بورش عمل مع الجهات كافة، وتتم مناقشة توصيات عملية تساهم في تحويل المدينة إلى مدينة صديقة للمسن». وأشارت إلى أن «مشروع قانون ضمان الشيخوخة لا يزال قيد الدرس، وهو أولوية، وحاجة ملحة على المستوى الوطني، لأن إقرار القانون يكون السقف الضامن للحقوق».

.. الحفاظ على كرامتهم

وأوضح رئيس مجلس العمدة في دار العجزة الإسلامية محمود فاعور أن «الدار تأسست من 66 عاماً، ورسالتها بدأت بإيواء بعض كبار السن المشردين ثم تطورت وأصبحت مستشفى يضم 600 نزيل و350 موظفاً و30 طبيباً، ويتوزع المرضى على أقسام عدة: كبار السن، الأمراض العقلية والنفسية، أصحاب الحاجات الخاصة، ومرضى العناية التلطيفية»، لافتاً إلى أن «الدار مؤسسة وطنية لا تفرق بين منطقة وأخرى أو بين طائفة وأخرى». وتحدث عن التحديات المالية «إذ أن موازنتنا 12 مليون دولار سنوياً، نصف هذا المبلغ تدفعه وزارة الصحة على دفعات، والنصف الآخر تتكفل به المساعدات والتبرعات على مدار السنة لتغطية النفقات، وهذا ما يشجعنا على الاستمرار في رسالتنا لتحسين حياة كبارنا».

ولفت إلى أن «التعمر يزداد والحاجة لرعاية المسنين تكبر، والتغيير الديموغرافي لناحية هجرة الأبناء وترك أهلهم لوحدهم، يعرضهم لخطر الوقوع والكآبة والوحدة، لذلك فإن دور الرعاية سواء أكانت نهارية أو دائمة ضرورة لتلك الفئة العمرية، وأنا اعتبر أن وجود مسن في دار رعاية محترم أفضل من أن يكون لوحده في المنزل ويتعرض للمخاطر».

وأشار إلى أن «مشكلة كبار السن في الدار أن عدداً كبيراً منهم لا يزورهم أبناءهم وعائلاتهم إذ هناك 10 أو 15 في المئة من المسنين الذين يحظون بعاطفة العائلة، وبالتالي تقع علينا مسؤولية العناية بهم صحياً واجتماعياً ونفسياً ومعيشياً وحتى رفاهياً»، كاشفاً أنهم في صدد «البدء بإنشاء واحة لكبار السن في ضهر المغارة – الضنية». ولفت إلى «أهمية إقرار قانون ضمان الشيخوخة، والتثقيف الاجتماعي للعناية بكبار السن والحفاظ على كرامتهم وإنسانيتهم».

وتحدثت رئيسة دير مار يوسف وبيت رفقا للمسنين - جربتا الأم ميلاني مقصود عن بيت رفقا للمسنين «الذي كان يؤوي الكهنة المسنين منذ العام 1946، وأصبح يستقبل المسنين المحتاجين من عمر السبعين وما فوق، ونحن الراهبات نتعاون يداً بيد مع الخيرين والناس لمساندة هؤلاء المسنين، ونحاول تأمين حياة تليق بهم، حيث ان أحد المتبرعين تكفل بانشاء مبنى جديد يتمتع بمواصفات ومعايير صحية عالمية لأننا نريد أن يشعر المسن أنه ينتقل من منزله الصغير إلى منزله الكبير، محاطاً بكل العطف والحنان والرعاية الصحية والروحية ليلاً نهاراً، لذلك سميناه بيت رفقا».

وأشارت إلى أن «خدمة كل مسن في البيت تبلغ نحو 1000 دولار شهرياً»، لافتة إلى أن «بعض المسنين يدفعون مبلغاً رمزياً في حين البعض الآخر لا يمكنهم دفع أي مبلغ، لكن المساعدات العينية والمادية تغطي الكلفة لتأمين أفضل رعاية للمسن في بيتنا».

واعتبرت مقصود أن «المسن في البيت بركة، لكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية اليوم، اختلفت عما كانت عليه سابقاً، إذ أن العائلة أصبحت صغيرة، والرجل والمرأة يعملان خارج المنزل لتأمين لقمة العيش مما يحتم عليهما اللجوء إلى مؤسسة تعتني بالمسن كي لا يبقى وحده في المنزل»، مطالبة الدولة «بالاهتمام أكثر بالمسنين، وتوفير معاش يؤمن لهم حياة كريمة في آخر سنوات عمرهم، هؤلاء الاشخاص الذين تعبوا وضحوا طوال هذه السنين، يجب احاطتهم بالاهتمام النفسي والجسدي وراحة البال».

ولفت مدير دار الامان لرعاية المسنين التابع لجمعية المبرات الخيرية نبيه نور الدين إلى أن «الدار تضم 80 مسناً من مختلف المناطق والطوائف، وتلتزم المعايير والمواصفات الطبية والإنسانية، ويشرف على النزلاء فريق من الأطباء المتخصصين، وكل من تحتاج حالته للمستشفى ننقله ونتابع حالته»، مشدداً على «أننا لا نميّز بين مسن وآخر، ونعاملهم بإنسانية تحقيقاً للتضامن والتكافل بين فئات المجتمع».

وقال: «نشجع الأهل على اصطحاب المسن إلى المنزل بين الحين والآخر، وعدد كبير منهم يمضون فترة مع عائلاتهم، لكن هناك البعض ليس لديهم عائلات، فنحاول قدر الإمكان التعويض عليهم»، معتبراً أن «المسن الذي لا يتمتع بالعناية الجيدة في المنزل أو تهمله عائلته، فمن الافضل أن يكون في دار رعاية تسهر على صحته الجسدية والنفسية». وقال «إننا نواجه تحديات مالية إذ أن وزارة الصحة تدفع حوالي 26 ألف ليرة عن كل مسن في اليوم، لكن كلفته الفعلية 75 ألف ليرة ما عدا الدواء والاحتياجات الخاصة، لكن جمعية المبرات الخيرية تغطي الفرق كما أن أهل الخير يساهمون بجزء من الكلفة. على سبيل المثال، ندفع بين 10 و15 ألف دولار شهرياً ثمن مازوت للموتورات حيث ان الكهرباء مؤمنة ليل نهار مع وسائل التدفئة والبرودة»، مطالباً «الاهتمام بالمواطن والمسن وبأدويته».

وقال المدير التنفيذي لدار الرعاية الماروني مالك مارون: «الدار تأسست سنة 1950، تابعة لجمعية راهبات القديسة تيريزيا، ويعيش فيها حوالى 90 مسناً من كافة المناطق والطوائف. يهتم بهم فريق متكامل من الأطباء والممرضات والمساعدات وإخصائيات التغذية والمعالجين الفيزيائيين، برئاسة رئيسة المؤسسة الإخت جان ماري كتورة». وأشار إلى أن أسباب عدة أدت إلى ارتفاع عدد المسنين في المؤسسات الخاصة بهم في السنوات الاخيرة، أبرزها: نسبة المسنين التي تتزايد حيث أن 11 في المئة من عدد سكان لبنان هم مسنون كما أن ظاهرة النزوح من القرى إلى المدن حيث المنازل صغيرة والعائلة كلها تعمل خارج المنزل، فيضطرون إلى اللجوء إلى المأوى دون أن ننسى هجرة الشباب الذين تركوا أهلهم في بلدهم، وباتوا في حاجة إلى رعاية في المراكز الخاصة بالمسنين إضافة إلى أن المجتمع بات يتقبل أكثر فكرة اللجوء إلى مراكز وبيوت ومؤسسات المسنين».

وتحدث عن «تحديات تواجه مراكز المسنين إذ أن مساهمة الدولة في رعاية المسن يجب أن تكون أفضل على سبيل المثال، فإن وزارة الشؤون الاجتماعية تدفع بدل إقامة عن المسن يومياً 17 ألف و500 ليرة بينما الكلفة تصل بالحد الأدنى إلى 40 ألف ليرة يومياً لكل مسن كما أن وزارة الصحة تدفع 29 ألف ليرة عن المسن يومياً»، مشيراً إلى أن «التبرعات تقلصت كثيراً حيث أن الجهات المتبرعة باتت تركز على حاجات النازحين أكثر من المؤسسات المحلية»، لافتاً إلى «صعوبة في توظيف ممرضات وممرضين في هذه المؤسسات بسبب الهجرة الواسعة في هذا القطاع كما أن العمل مع المسن ليس سهلاً». وتمنى «إنصاف المؤسسات التي تهتم بالمسنين، ودعمها، وزيادة ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية».

(خاص "المستقبل")