هل طوى مخيم المية ومية صفحة الاشتباكات الأعنف التي يشهدها منذ سنوات؟ وما هي نتائجها وتداعياتها على هذا المخيم؟. لعله من المبكر القول أن المخيم تجاوز هذا القطوع الأمني الأخطر في تاريخه ربما، بانتظار تجاوز اختبارين أساسيين: الأول أن يتم تثبيت وقف إطلاق النار وأن تمر الليلة الأولى دون أية خروقات، والثاني أن يتجاوز المخيم قطوع تشييع ضحايا هذه الاشتباكات، ليتسنى لمن غادر المخيم من عائلاته طلباً للنجاة والسلامة الإطمئنان إلى استتباب الوضع فيه قبل العودة إلى بيوتهم ومؤسساتهم التي طالت نيران تلك الأحداث العديد منها.

وإذا كان ثمة أكثر من تساؤل يطرح نفسه عن خلفية الاشتباكات التي اندلعت على مدى نحو عشرين ساعة في مخيم المية ومية بين حركة فتح و«أنصار الله»، وعن توقيتها واستهدافاتها ومن المستفيد منها، فإن ثمة أكثر من مؤشر إلى أن استمرار هذه الاشتباكات ربما كان سيقود إلى أجوبة على تلك التساؤلات.

وفي المعلومات التي حصلت عليها «المستقبل» أن التطورات الميدانية في مخيم المية ومية إبان الاشتباكات الأخيرة كانت تنذر بما هو أخطر من الاشتباكات نفسها، وإن أكثر من مؤشر ومعطى بهذا الخصوص دفع بالجهات السياسية والأمنية اللبنانية لممارسة أعلى درجات الضغط على طرفي النزاع أي «فتح» و«انصار الله» وبمعاونة من بعض القوى الفلسطينية ولا سيما حركة «حماس» من أجل فرض وقف فوري ودائم لإطلاق النار.

تحرك مجموعات في عين الحلوة

ومن هذه المعطيات التي تلقتها أوساط لبنانية وبحسب مصادر مطلعة، تلقي مسؤولين في «أنصار الله» رسائل من بعض المجموعات المسلحة في مخيم عين الحلوة يعرضون فيها استعدادهم لفتح جبهة ثانية ضد حركة «فتح» في المخيم الأخير لتخفيف الضغط عن أنصار الله، وسجلت تزامناً استنفارات لهذه المجموعات في بعض أحياء مخيم عين الحلوة ما كان ينذر بخطر انتقال شرارة نيران «المية ومية» إلى عين الحلوة. وبالمقابل تضيف المصادر نفسها حاولت فتح استقدام تعزيزات لها من خارج منطقة صيدا لكنها اصطدمت برفض السلطات اللبنانية القاطع لهذا الأمر منعا لتأجيج الوضع أكثر مما هو عليه.

تجاوز الخطوط الحمر

أما المعطى الآخر فهو تجاوز نيران الاشتباكات الخطوط الحمر أي حدود المخيم لتطال أحياء سكنية في محيطه بكل تنوعه اللبناني من بلدات وقرى ومناطق تابعة لصيدا وشرقها ما تسبب في شل الحياة فيها ومغادرة عدد من أهلها إلى أماكن أكثر أمناً. فضلاً عما طال صيدا المدينة من رصاص وشظايا هذه الاشتباكات المباشرة أو غير المباشرة لجهة وقف عجلة العديد من المرافق فيها. وعلمت «المستقبل» في هذا السياق أن مسؤولين سياسيين تلقوا اتصالات من رؤساء بلديات بعض قرى ومناطق شرق صيدا القريبة من مخيم المية ومية طالبوهم فيها بالتدخل حتى لا تصل الأمور إلى تهجير جديد قد يؤدي إليه استمرار هذه الاشتباكات واتساعها ووضع حد لما وصفوه هذا النزف الذي يكاد يستنزف المنطقة كلها وليس فقط مخيماً لوحده.

بالمحصلة استطاع الضغط السياسي والأمني اللبناني، بمؤازرة الفلسطيني فرض اتفاق الضرورة وليس اتفاق التفاهم على كل من «فتح» و«أنصار الله»، وتولت «حماس» باعتبارها القوة الثالثة الرئيسية في مخيم المية ومية تظهير شكل الاتفاق وآليته وترجمته على الأرض والقيام بدور الوسيط المتوازن بينهما رغم أنها بالسياسة أقرب لـ«أنصار الله» منها لـ«فتح» التي تعتبر خصماً سياسياً لها لكن خارج الساحة اللبنانية التي يتوافق الطرفان أي «فتح» و«حماس» على تحييدها عن الخلافات الفلسطينية.

لا أحد رابحاً

ويبقى السؤال: ما هي نتيجة اشتباكات المية ومية لا سيما وأن الطرفين المتقاتلان خرجا منها منهكي القوى من دون أن يسجل أحدهما انتصاراً على الآخر، أو تقدماً على حساب الآخر. تعتبر أوساط فلسطينية أن لا أحد رابحاً من هذه الاشتباكات ولا من أي تقاتل فلسطيني - فلسطيني، وإنما هناك دائماً خاسر هو المخيم قضية وشعباً وحقاً في العودة والحياة الكريمة لحين أوانها. وأن الخسارة ستكون مضاعفة إذا تكررت هذه الأحداث خاصة وأن ما من شيء يضمن عدم تكرارها. وأن لا يكون مصير الاتفاق الثاني على وقف إطلاق النار كمصير سلفه الذي لم يكد يبصر النور ليلاً حتى تلاشى حبره وسط المزيد من دماء الضحايا والجرحى.

فقد اثمرت الاتصالات واللقاءات والمساعي التي بذلت صباح أمس اتفاقاً جديداً على وقف إطلاق النار بعد الاشتباكات العنيفة التي شهدها مخيم المية ومية بين حركة «فتح» وحركة «انصار الله» وأسفرت عن سقوط قتيلين ونحو 30 جريحاً. الاتفاق تم التوصل إليه إثر اجتماع مطوّل عقد في ثكنة زغيب العسكرية في صيدا برعاية مدير مخابرات الجيش اللبناني في الجنوب العميد فوزي حمادة وضم إليه قائد الأمن الوطني الفلسطيني اللواء صبحي أبو عرب، ونائب الأمين العام لأنصار الله ماهر عويد بحضور المسؤول السياسي لحركة «حماس» في لبنان احمد عبد الهادي.

ونص الاتفاق على أربع نقاط أساسية: وقف فوري لإطلاق النار، سحب المسلحين، انتشار قوة فصل من حركة «حماس» وتشكيل لجنة ميدانية يومية لمراقبة الالتزام بوقف النار والإبلاغ عن أية خروقات وتحميل الطرف المخل بالاتفاق المسؤولية.

جولة ميدانية

وفور التوصل إلى هذا الاتفاق توجهت قوة فصل من «حماس» يتقدمها عضو مكتبها السياسي ومسؤولها في صيدا أيمن شناعة مباشرة إلى مخيم المية ومية وبدأت بالتحقق من سحب المسلحين من الطرفين، بداية من نقاط «فتح» ثم من نقاط «انصار الله». وعقد اجتماع في مكتب «حماس» في المخيم ضم مسؤولين عن «فتح» و«انصار الله» حيث تم شرح بنود الاتفاق وتأكيد ضرورة التزام الطرفين به لجهة سحب المسلحين وإزالة بعض الدشم والعوائق التي تم استحداثها إبان المعارك وهو ما جرى فعلاً فيما بدت الشوارع والأزقة كما البيوت المهجورة خالية من أية حركة أو حياة.

وواجهت قوة الفصل مشكلة كادت تعيد الأمور إلى نقطة الصفر حين اعترض «انصار الله» على دشمة وفوهة «ماغ» لـ«فتح» مصوبة باتجاه معقلهم واشترطوا ازالتها للقبول بتثبيت وقف النار، ما استدعى مفاوضات سريعة وشاقة مع «فتح» حتى تمت إزالتها مقابل إزالة دشم وتحصينات مماثلة لأنصار الله بالمقابل.

حيثما تجولت داخل المخيم بعد وقف اطلاق النار تجد نفسك وكأنك في ساحة حرب. آثار أضرار الاشتباكات ماثلة في كل مكان. في بيوت وسيارات ومرافق. وحتى مقر القوة المشتركة الذي كان نقطة التقاء وعمل مشترك بين كافة الأفرقاء تم تدميره وإحراقه.

شناعة

وقال عضو قيادة حركة «حماس» ومسؤولها في صيدا ايمن شناعة: بعد الاجتماع الذي حصل في ثكنة زغيب صباحاً وتنفيذاً لما تم التوافق عليه حول قيام لجنة من «حماس» بجولة ميدانية على كافة النقاط العسكرية وسحب المسلحين والتأكيد على الأمن والاستقرار داخل المخيم، بدأنا هذه الجولة من مكاتب الأمن الوطني الفلسطيني ومنها الى نقاط «انصار الله». الأمور تعود تدريجياً إلى الهدوء والاستقرار وندعو المواطنين إلى العودة إلى منازلهم وإلى عودة الحياة الطبيعية داخل المخيم. تم تشكيل لجنة مراقبة ومتابعة يومية للخروقات ورفع تقرير مفصل بها وتحميل من يتجاوز كل المسؤوليات.

تأثر صيدا والمحيط

وكانت الاشتباكات بين «فتح» و«أنصار الله» تجددت صباح الثلاثاء واسفرت عن سقوط قتيلين لحركة «فتح» هما محمد عيسى وأحمد منصور ونحو 30 جريحاً من الطرفين، وتضرر عدد كبير من المنازل داخل المخيم وخارجه لا سيما في منطقة سيروب القريبة منه حيث اصابت قذيفة أحد المنازل والحقت به أضراراً. وأدت الاشتباكات إلى حركة نزوح كثيفة من المخيم باتجاه صيدا التي تأثرت بالوضع الأمني المتفجر لا سيما بعدما طال الرصاص الطائش عدداً من الأحياء الداخلية للمدينة واصاب بعضه مبنى سراي صيدا الحكومي وبعض المؤسسات التربوية المواجهة ما دفع بعدد من المدارس والثانويات في المدينة لتعليق الدروس الثلاثاء. كما انعكس الوضع الأمني المتوتر في المية ومية شبه شلل في الحركة التجارية في أسواق المدينة.

الجيش يوقف ستة من «أنصار الله»

على اثر محاصرة مقاتلي حركة «فتح» لعناصر من «انصار الله» في مخيم المية ومية، اضطر ستة من هؤلاء للخروج من المخيم عبر أحد الممرات الفرعية، وتسليم أنفسهم إلى مخابرات الجيش اللبناني حيث تبين أنهم مطلوبون في قضايا أمنية سابقة، فتم توقيفهم.

(خاص "المستقبل")