وماذا لو لم يكن انتخاب دونالد ترامب مجرد حدث بسيط أو مصادفة منفردة في مسار الديموقراطية الليبرالية؟ وأنه جزء من مرحلة مرتبطة أصلاً بما يحدث في أوروبا (والعالم قبلها) لا تكون سوى نهاية شهر العسل الطويل بين المواطنين والديموقراطية: انتصار البريكسيت في بريطانيا، نجاح الأنظمة الاستبدادية في روسيا، والمجر، وتركيا، وتظهر أيضاً ملامحها في بعض البلدان الاسكندنافية كالسويد، صعود الشعبوية وأشكال التطرف في فرنسا لوبان (يمين) ميلانشون (يسار) وإيطاليا.. وتكبر ارتيابات الشعوب وعدم ثقتها في النظام السياسي. وهذا يتبدى في انعطاف الاقتصاد، والرابط بين الديموقراطية والليبرالية مُهدّد. وباتت الديموقراطية (بحسب الشعبَويّين) لا تجسّد الإرادة الشعبية بسبب تنامي الليبرالية (الاقتصادية)، وتعاظم دور المصارف المركزية والاتفاقات الدولية، ما أدى إلى تهديد الحريات الفردية وحقوق الأقليات. وإذا كان أفلاطون يرى أن الديماغوجية هي الانحراف الحقيقي للديموقراطية، فقد كان على صواب قبل أوانه.

فالمسألة، ليست بنت ساعتها: تراكم متزايد في الظواهر، وإرث لم يتوقف منذ أزمنة طويلة. وقد تتعدّى هذه المسألة الاقتصاد، وانهيار الأحزاب الأيديولوجية، من يسارية ويمينية، والصراع السياسي التقليدي، إلى ما هو أشمل وأعم: فالشعبويّة ليست مرتبطة دائماً بالأوضاع الاقتصادية، والتسويات الثقافية والاجتماعية، (كما يروى)، إلى استنفاد مراحل، وتحكم ظروف، وطرق تفكير.

فصعود الشعبويّة لا يعني أنها كانت غائبة، بل على العكس لأنها موجودة، حتى عند المفكرين، والعقلانيين، والعلماء. كأنها نزعة لازبة في الإنسان. وإذا كانت قد أدركت أميركا وأوروبا وسواهما، فقد كانت أعراضها راسخة عند أحزاب كثيرة، (هي اليوم ضحية ما ارتكبت طوال تاريخها)، وعند طبقات متعددة: ونتذكر كيف كان يبث هتلر دعايات النازية (هو أوّل مَن اكتشف أهمية الراديو كأداة فاعلة يضلّل بها شعبه والآخرين) وكيف كان يردّ عليه الحلفاء باللغة ذاتها: فالحروب تستخدم كل الوسائل لتدمير معنويات الآخر.

وماذا عن الأنظمة الدكتاتورية الشيوعية في العالم: أوَلم تستند إلى الكذب وتغيير الحقائق والوقائع؟ وزمن ما بعد الحقيقة الذي يراه بعضهم جديداً، موجود في كل وقت وعند كل أهل السياسة والحكام وحتى النخب. فلنأخذ الأنظمة الاستبدادية العربية التي هيمنت بعد خمسينات القرن الماضي، تحت مسمّيات الثورة، والحداثة، و«الإنسان الجديد»، والمجتمع الجديد، والوطن الجديد.. وحتى «التراب الجديد»: ألم يُهلّل الناس لانقلاباتها الدمويّة؟ فهاتان الصفتان لم تعودا «مقدّستَين» ولا حاملتَي المنّ والسلوى والرفاهية. وماذا فعلت هذه الأنظمة سوى اقتباس التجارب الشمولية – الستالينية والماوية، والنازية، والحزب الواحد، والقائد الواحد «الإله الأرضي»؟ وكم هلّلت الشعوب لهؤلاء، بفضل ما صوّرته لهم هذه الأنظمة الشعبويّة من اختلاقات تحوّلت بديهيّات، وتخيّلات تحوّلت حقائق. وفي تلك المرحلة كانت قيم التنوير منتشرة في العقول، والأفكار غزيرة، وأشكال الوعي متنامية عند الشعوب العربية. وبرغم ذلك سادت هذه الأنظمة بكل جبروتها، حتى نسي الناس ما معنى الديموقراطية، والحرية الفردية.. وذلك عندما كانت أوروبا في عزّ ازدهارها الاقتصادي والمعرفي (بعد الحرب العالمية الثانية). لم تعد الناس تميل سوى إلى ما يؤمّن عيشها، واستمرارها، حتّى في أحلك ظروفها: فالأمن والسلامة مقابل الديموقراطية. وقبلت الناس ذلك سواء على مضَض أو عن يأس، أو عن تواطؤ. وماذا نقول عن النخب في تلك المراحل: النخب الفكرية، والثقافية والشعرية، والفنية.. منها من انضم إلى تلك الأنظمة؛ بمحض إرادته (أو قسراً أحياناً) للاستمتاع برفاهية العبوديّة. لا مكان للاختيار أو للمعارضة، أو حتى للحياة الشخصية. كل شيء مضبوط بساعة الطغاة. وعلى الناس أن تتحرّك بحسب هذه الساعة.

وهكذا ازدوجت على فراق ثقافة التنوير وثقافة الظلام. ثقافة الحرية وثقافة القمع والسجون. ثقافة التمرّد وثقافة الخضوع. في ظل إعلام رسمي متفرّد أحادي، يختلق ما يشاء من الأكاذيب، والأخيلة! كأن يعلن أحياناً انتصار السلطة في حروب لم تقع. أو يلجأ إلى ديموغاجية في معالجة الأمور الحياتية والمصيرية.. إنه الموروث التيوقراطي القديم المزروع في العقول والجلود والعادات، وموروث الثورات الأوروبية الشمولية، اتحدا ليستمد منها الحكام أشكال ممارساتهم. كأن لا جديد تحت الشمس، وكأن تعود الأرض في دورانها إلى نقاطها الثابتة.

المعايير

لكن يضاف إلى ذلك، سقوط المعايير الأساسية التي كانت محظوظة إلى حدٍّ كبير في سلطاتها، وعند ناسها، بل أكثر: الجديد الأخطر أن ازدواج التنوير والظلامية، في الماضي (نحو مئتي عام أي في القرنين الثامن والتاسع عشر)، قد فقد توازنه: أي أن العقول النقدية أو المتفحّصة على أسس ما من المحاسبة، قد تراجعت عند الأحزاب والحركات تراجعها عند عامة الناس: كأن أصبحت هذه الأخيرة عزلاء بتفكيرها، مستسلمة لأوضاعها، فاقدة كل حسّ نقدي يميّز بين ما هو شعبي وشعبوي، بل إنها باتت وكأنها في غياب نباتي: فترامب محاصر بالفضائح، ومتّهم بـ«الجنون»، والجهل، والفساد؛ مع هذا لم تتأثر شعبيّته رغم شبه إجماع الصحف ووسائل الإعلام على كشفه. سقطت الأداة الأساسية في المحاسبة، أو القيم الأخلاقية والوطنية، وحتى المصالح الخاصة. فالناس تتجاوز مصالحها، وتدافع عن مُنتهكيها!... فأوروبا مهدّدة كيانياً، بالتفكك، والانفراط، وهي أم التنوير والديموقراطيات العريقة، وكذلك أميركا المنقسمة انقساماً عمودياً لم تعرفه من قبل. ويعني ذلك أن الشعب لم يعد يرى في الديموقراطية ضرورة وجودية، ولا لزوماً عضوياً. ولا في البرلمانات. ولا في النظام القديم (ولا في النظام الجديد الهيولي). الديموقراطية التي كانت مقدّسة، وقامت عليها الدولة الحديثة باتت موضع تشكيك، وارتياب، بل واتهام بأنها وراء كل هذه المصائب الاقتصادية والسياسية. للمرة الأولى منذ تاريخ طويل، فقدت الشعوب ثقتها بالقيم التنويرية، وبأحزابها ومؤسساتها. وصارت منساقة إلى نوع من الفراغ الفكري، الذي يجعل منها أصدافاً مرنانة للشعبوية والجنون.. فلا صراع حضارات. ولا نهاية تاريخ. ولا بداية آخر، بل بدا العالم اليوم وكأنه يعيش «حضارة» واحدة، يتحكّم بها الاستهلاك المادي والفكري والروحي والديني تحت مرجعية الماضي، وغموض المستقبل، وضحالة الحاضر..

... ولبنان

لكن ماذا عن لبنان اليوم وأمس؟ وهل نجا في الحقيقة. فهذا البلد سبق كثيراً من الشعوب، في تدمير ذاته تدميراً متواصلاً. فالطائفية التي لازمت تاريخه وحروبها المتحولة، كانت وما زالت هي الوباء الذي لم يتمكن من الشفاء منه. منذ منتصف القرن التاسع عشر (حروب الجبل)، وحتى منتصف القرن العشرين وصولاً إلى 1975، بدا الصراع الطائفي يتخذ أشكالاً، وأدواراً مختلفة، وقاتلة. فلبنان، مثلاً، عاش بين نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السعبينات، ازدهاراً قلّ مثيله في جواره. وتمتّع بديموقراطية نسبية جعلته واحة الحرية في هذه المنطقة. وأصبح اقتصاده في مرتبة عالية حيث باتت ليرته «عملة صعبة» لقوتها وثباتها. وكان الشعب وإلى حدٍّ كبير ينتخب ممثّليه في البرلمان، وحكوماته، ورؤساءه. البلد الوحيد الذي كان يُقال فيه فلان «الرئيس السابق» لأن رؤساء الجوار القريب والبعيد كانوا «أبديين» على مدى الحياة وربما بعدها: ينتخبون البرلمان والحكومة والشعب فيما أنظمة عشوائية تحوّلت في النهاية إلى أنظمة مذهبية وعائلية.

الطائفية

برغم هذا الوضع الاستثنائي، أطلّت الطائفية بنواجزها من جديد.. واستخدمت لإعلان حرب ضروس بين مكوّناتها.. حرب تمتزج فيها المعادلات المحلية التاريخية والخارجية؛ وبدلاً من أن ينتفض الشعب على الحرب، حفاظاً على مستواه واقتصاده وديموقراطيته، ها هو، وبفعل شعبوية متعددة، بثّتها الأنظمة الاستبدادية المجاورة: (البعثان العراقي والسوري) والقذافي وصدّام حسين... وصولاً إلى إسرائيل. خضع الناس للتطرف، والتعصب، ووقفوا وراء ميليشياتهم، هنا وهناك وهنالك: مغسولي الأدمغة، متعطّشين إلى العنف، منقادين إلى تلك الشعبويّات «الحداثية» بمنطوقها والقديمة بمضامينها: خطوط تماس، انقسام الجيش، كانتونات، حروب ضمن الطائفة الواحدة، عمالة معلنة للخارج..

الإنقلاب

انقلب الشعب على ديموقراطيته، ومستوى عيشه، وسيق كالقطعان، نحو الانتحار. إذاً، لا هو السبب الاقتصادي، ولا الاجتماعي، ولا السياسي ولا الوطني، كان وراء كل هذا الخضوع الشعبي التام للميليشيات الفاشية، الفاسدة، التي لم تتورع عن القيام بتهجير السكان، بالتناوب، وتدمير مدنها، وقراها، وحضارتها..

وعلى غرار أنظمة أخرى، أدركت بفداحة فيروسات المذهبية العقول (حتى الوازنة منها)، فباتت كل طائفة خاضعة، تدافع عن أحزابها، حتى عندما يرتكبون المجازر، وعندما يغتالون الناس، عندما يرتبطون بعمالة للخارج (لبنان البلد الوحيد في العالم الذي يفتخر فيه العملاء بعمالتهم!)، وعندما يسرقون حتى أموالهم (يهلّل الشعب لهم ويبرّئهم). فالطائفية هي الشعبويّة بعينها. وهي خلاء الأدمغة من التفكير. وهي المساهمة في التلفيقات، وهي المُصنّفة حتى لخيانة الوطن.

وبدت الديموقراطية بعيدة جداً، (وقد عشقوها بالأمس)، والحرية لزوم ما لا يلزم، والسيادة قضية ثانوية، واستقبال الوصايات بتوزيع الحلوى والرشّ بالأرز والورود عادة من عاداتهم.

حتى في ما يحدث في تأليف الحكومة الجديدة، وقف كثير من الناس ضد مصالحهم الشخصية: الدفاع عمّن يريد استفراد السلطة والوزارة، وتعطيل التأليف.. إنه مصير الشعوب التي فقدت عقولها، وضمائرها الإنسانية، والوطنية، والاجتماعية!

بل تحسّ أن الناس بدأت تعبّر عن كراهية للديموقراطية، والحرية، والتنوير، والعقلانية: كأنها شعوب تنساق إلى غرائزها المبهمة، السوداء... حتى ضد أوطانها!

بول شاوول