كأنّ الازدواجية صارت طقساً عادياً أكثر رسوخاً في الأداء الإيراني مما كانت عليه: كلام عالي السقف يطلقه "المرشد الأعلى" علي خامنئي بالأمس إزاء الأميركيين وأحوال بلاده والمنطقة في الإجمال، فيما يوميات وتفاصيل السياسات المتّبعة "رسمياً" من قبل كبار المسؤولين وأولهم رئيس الجمهورية الشيخ حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، تدلّ على "تواضع" منخفض السقف، يراه كلّ من عليها.

ربما لا يمكن "المرشد" إلاّ أن يُقارب القضايا الراهنة والدائمة بلغة مبدئية تعبوية تناسب الوزن والدور والمقام والمهام.. لكن ما لا يُفهم في بعض "التفاصيل" هو أن ينعت الذين يدعون إلى الحوار، بأنهم "عملاء وليسوا رجال دولة"! والمقصود بهؤلاء هم المسؤولون "الرسميون" الآخذون على عاتقهم في هذه الأيام إبقاء إيران موصولة بالعالم! وليست محاصرة ولا منبوذة ولا مهدّدة بالانهيار الاقتصادي والمالي والخدماتي!

واللافت في هذا السياق، هو أن الطرف "المدني" والسياسي – الديبلوماسي في النظام الإيراني لا يتصرف من رأسه! ولا يجرؤ على ذلك في الأمور الكبرى، بل يعمل ويأتمر بأوامر "المرشد"! ويعبّر عن قناعاته وتوجّهاته وتوجيهاته! ويقدّمها بقالب حداثي مؤسساتي يتناسب ويتناسق مع طبائع وأمور العلاقات بين الدول وشروطها ومصطلحاتها.. أو يحاول ذلك!

وهذا الطرف "المدني" خاضَ في مفاوضات "الاتفاق النووي" تحت سقف توجيهات "المرشد"! ويخوض اليوم في سلسلة معارك تفاوضية مع الأوروبيين خصوصاً وغيرهم عموماً من أجل محاولة ضبط أو احتواء أو تقليص تبعات العقوبات الأميركية التي أوصلت إيران إلى "الظروف العصيبة" ذاتها التي أشار إليها "المرشد" بنفسه بالأمس!

وبديهي الافتراض، بأن تلك المعارك التفاوضية، إنما تجري أمام السيد خامنئي وبرضاه وليس من وراء ظهره ولا بعيداً عن توجّهاته.. وبالتالي يصير أمراً عصيّاً على البلع والهضم، إتهام دعاة الحوار (أي هؤلاء المفاوضين) بالعمالة دفعة واحدة! وتعييرهم بأنهم "ليسوا رجال دولة" بما يعنيه ذلك من ضرب لصدقيتهم أمام محاوريهم في الغرب والشرق! ولمحاولاتهم حصر أضرار العقوبات القارصة التي يئن تحت أثقالها وتداعياتها الإيرانيون عموماً والتي دفعت بـ"المستضعفين" الذين قامت "الثورة" من أجلهم أصلاً إلى التظاهر في معظم المدن الإيرانية رفضاً لمآلات هذه "الثورة" ولنتائجها الكئيبة بعد أربعة عقود من عمرها.. مثلما دفعت شخصيات كبيرة، ومن عصب النظام الجمهوري وليس من أعدائه أو أخصامه، إلى دقّ النفير مرّة تلوَ مرّة تحذيراً وتنبيهاً! وآخرهم كان الرئيس السابق محمد خاتمي الذي رأى أن دوام الحال على ما هو عليه سيؤدي إلى واحد من إثنين: انقلاب أو ثورة.. مع التذكير بما قاله مرّة الرئيس روحاني علناً وبلُغة قارصة من "أن مصير الشاه" يلوح في الأفق ما لم يتم تعديل الأداء العام في إيران!

كلام "المرشد" بالأمس اشتمل على يقين مألوف "من أن الشعب الإيراني سيصفع الولايات المتحدة وسيهزمها بإفشال العقوبات".. لكن الواقع والأرقام والقراءات والتوقعات في مكان آخر مختلف تماماً وتباشيره النقدية (مثلاً) تُحطّم القدرة الشرائية عند عموم الإيرانيين من خلال التدهور المريع لسعر صرف العملة الوطنية.. وفي هذا المجال تحديداً يصبح اليقين وُجهة نظر لا تُشبع جائعاً ولا تشتري بضاعة ولا تداوي مريضاً.. وهذه في جملتها وذروتها تعطي صدقية لكلام "وتوقعات" روحاني وخاتمي وأمثالهما .. وليس العكس!

علي نون