إنزعجت إسرائيل من الردّ الديبلوماسي اللبناني على خبرية مخازن الصواريخ في محيط "مطار رفيق الحريري الدولي".. وهذا يدلّ في حالة واحدة على نمط سلوكي عام لطالما اعتمدته في صراعها المفتوح مع الفلسطينيين والعرب واللبنانيين قبل "حزب الله" ومعه وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا!

وذلك النمط قوامه الجذري الاستثمار في معطيَين متلازمَين لضمان استمرار انكسار التوازن ومنع الوصول إلى شيء من أشياء التسوية. الأول زبدته ضعف الجانب العربي في جملته تبعاً لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية (على طريقة الماركسيين) والثاني (الموصول) هو اعتماد سلوك سياسي ودعائي وتعبوي لا ينزل تحت سقف "الرمي في البحر" على قولة أحمد الشقيري. أو "تحريرها من النهر إلى البحر" على قولة القوميين العرب في صعودهم قبل "النكسة" وقولة "الثورة" في جملتها اليسارية بعد تلك "النكسة"، وصولاً إلى "الغدّة السرطانية" الواجب استئصالها على قولة محمود أحمدي نجاد، أو بالأحرى ترداده لتلك المقولة المنسوبة أصلاً إلى الإمام الخميني غداة انتصار "الثورة الإيرانية" وسقوط الشاه محمد رضا بهلوي!

راكمت إسرائيل إنجازات على وقع الخواء العربي بداية ثم "وريثه" الإيراني لاحقاً. وتمكّنت من جني عوائد ملموسة لذلك العلك الهوائي الفارغ الداعي إلى دحرها برمّتها.. ولم تشعر بالخطر فعلياً سوى في اللحظة التي رسا فيها الميزان الدولي عند نقطة انتهاء الحرب الباردة مع ميخائيل غورباتشوف وبدء صعود التوجّهات التسووية (فلسطينياً بالدرجة الأولى) إلى الواجهة باعتبارها تعبيراً واقعياً عن نضج "ظروف" تلك التوجّهات.. وعلى حساب ضمور مقوّمات الرفض ومنطق اللاءات وانكسار الأدلجة الطهرانية التي لا ترضى بأقل من "إستعادة كل الحقوق"!

وخشيت إسرائيل من تغيّر الأداء المضاد لها كانت في مكانها وزمانها! بحيث يمكن الآن وقبل الآن بقليل معاينة المفارقة القائلة، بأن الجانب الفلسطيني والعربي خسر الأرض توالياً في ذروة تحالفه مع "الاتحاد السوفياتي" ومعسكره الاشتراكي.. وفي ظل إمعانه في التمترس عند يقينيات طوباوية وإن كانت مستندة إلى حقّ أكيد! لكن ذلك الجانب (العربي والفلسطيني) بدأ في استعادة بعض تلك الأرض عندما بدأ في "الابتعاد" عن تلك "اليقينيات"، كما في حالة مصر مع سيناء، ثم مع انطلاق العملية التفاوضية التي أوصلت إلى "أوسلو" و"وادي عربة".. وكادت تصل إلى الجولان لولا التمترس العجيب عند قصّة الأمتار العشرة الفاصلة عن شواطئ بحيرة طبريا!

.. وبغضّ النظر عن اللحظة الراهنة في مسار قصّة التسوية ومقدار الحقوق الفلسطينية المستعادة، فإن الفحوى العام المقصود هو أن إسرائيل تصاب بالهلع كلما نجح عدوّها في استنساخ أدائها التعبوي! وخصوصاً منه ذلك المبني في خطوطه العريضة والرفيعة على نظرية أنها "الضحية" الدائمة وليست الجلاّد العابر ومُعتدى عليها وليست معتدية.. وتعتمد في تدعيم ذلك وترسيخه معايير تضع قيمة الفرد في مستوى الجماعة والأمن المدني في مصاف القداسة!

ومن جملة التفاصيل البانية لذلك الأداء هناك الشطارة في التعامل مع الإعلام والرأي العام الدوليين وآخذهما دائماً على محمل الجد والاعتبار وليس الازدراء، حتى لو تعلّق الأمر بمنشور كاريكاتيري "معادٍ" في السويد. أو بأغنية في ايرلندا. أو بتكريم عهد التميمي في نادي "ريال مدريد" الإسباني، أو برفع علم فلسطيني في مباراة كرة قدم في اسكتلندا.

بهذا المعنى، كان الأفضل والأحسن لنتنياهو لو تعامل الإعلام الممانع في نواحينا (واستطراداً حزب الله وملحقاته الرسمية!) مع عراضته الصاروخية أمام الأمم المتحدة بالطريقة المألوفة إيّاها القائلة في عمومياتها أن إسرائيل "مأزومة"، و"منكسرة" في سوريا وغيرها! وأنها تحاول التعويض عن "هزائمها المنكرة"! وأن "المقاومة" متأهّبة وبانتظارها!.. وأن يتم ذلك كلّه وفق السردية العامة المألوفة والمعتادة التي لا تلحظ كثيراً قيمة للبنى البشرية والمادية في سبيل "نصرة المقاومة" وتثبيت "هزيمة الصهاينة".

علي نون