*نوال مدللي

عقدت المفوضية الأوروبية ومنظمة الأمم المتحدة للبيئة اجتماعًا مشتركًا هذا الاسبوع في الأمم المتحدة في نيويورك على هامش الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للامم المتحدة حول مكافحة التلوث بالبلاستيك، بعدما وصل الى حد الازمة العالمية، وارتفاع هذا التلوث في البحار والمحيطات الى معدل غير مسبوق. ولبنان كأحد بلدان البحر المتوسط، معنيّ اكثر من غيره بهذا الموضوع، لان خطر البلاستيك في المتوسط اصبح يهدد ليس الحيوانات فقط وانما الانسان الذي يعيش على شواطئه ايضا. والحدث في الامم المتحدة استهدف رؤساء الدول وصنّاع القرار سواء في القطاع الحكومي او الخاص والمؤسسات المالية والمجتمع المدني، لان الحل يجب ان يشترك فيه الجميع.

ان انعقاد هذه المؤتمر يعود للاهمية التي يوليها العالم والامم المتحدة للخطر الجدي للبلاستيك وضرورة وضع حلول سريعة لمعالجة المشكلة. ويأتي هذا الحدث بعد المصادقة على ميثاق Ocean plastics G 7 في قمة مجموعة السبع في Charlevoix كندا، وتعهد قادة كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة لمكافحة التلوث، فيما امتنعت الولايات المتحدة واليابان عن وضع أسمائهما. ويقضي الميثاق بجعل جميع المواد البلاستيكية قابلة لإعادة التدوير بحلول عام 2030.

هناك حرب عالمية على البلاستيك من دول عديدة التزمت بمنع استعمال البلاستيك وفرض غرامات على المخالفين. كون البلاستيك ملوث مؤذٍ في اليابسة وأعماق البحار أيضاً، وتحلُّله يحتاج إلى مئات السنين. والتحدي كبير إذ يتم استخدام 500 مليار كيس بلاستيك في العالم كل عام. وما بين 5 و13 مليون طن من البلاستيك ينتهي في المحيطات كل عام. لكن 14٪ فقط من التعبئة والتغليف البلاستيكية يتم جمعها لإعادة التدوير.

في لبنان، احتلت أزمة النفايات الخبر الأول في وسائل الإعلام منذ 2015، وكان هناك تخبط في إدارة ملف النفايات على الصعيد الوطني، ونجد داخلها كميات من البلاستيك بنسبة 15%. ولعل الأمر الأكثر خطورة هو في التعامل مع العبوات البلاستيكية الصعبة التحلل، والتي ضاعفت حجم النفايات في لبنان. ولو أجرينا عملية حسابية بسيطة لمعرفة حجم ووزن عبوات البلاستيك التي ترمى في النفايات في لبنان سنوياً لتبين أن وزنها يبلغ 2,5 مليوني طن على الأقل، والنفايات البلاستيكية أكثر النفايات الصناعية خطراً كونها مادة غير قابلة للتفكك والتحلل وهي تقوم بتلوث الأرض والهواء والماء.

اما في المتوسط، فالبلاستيك يمثل 95 في المئة من النفايات التي تطفو على سطح البحر والتي تستقر على شواطئه. وفي تقرير للصندوق العالمي للحياة البرية، إن مستوى الوجود الكثيف للمواد البلاستيكية الصغرى أعلى بنحو أربعة أضعاف في البحر المتوسط مقارنة مع البحار المفتوحة في أماكن أخرى من العالم. ونحن كدولة متوسطية يجب أن نقلق لما آلت إليه الملوثات البلاستيكية في البحر المتوسط حسب الدراسات.

وإذا قمنا بجولة إلى نهر الليطاني الذي تحول إلى مجرور مليء بالعبوات البلاستيكية، نرى زيادة نسبة التلوث فيه جراء رمي النفايات الصلبة من أكياس نيلون وعلب بلاستيك ومواد زراعية مستعملة على غرار الأسمدة الكيماوية ومبيدات للحشرات والنباتات المضرة ومخلفات النفايات الصناعية الصادرة عن عدد محدود من المعامل في هذه المنطقة. ولا توجد مبادرات جدية لإدارة البلاستيك في لبنان سوى مبادرة وحيدة أطلقتها بلدية جبيل بمنع البلاستيك نهاية العام 2018.

وشاهدنا منذ أيام طوفان نهر الغدير الذي اجتاح البيوت المجاورة، من الشويفات إلى حي السلم. والصورة الصادمة للنهر (المجرور) كانت عبوات البلاستيك وأكياس النايلون التي غطت النهر واجتاحت البيوت ووصلت إلى البحر المتوسط.

وفي ظل الأزمة التي نتخبط فيها هناك الكثير من الدول بدأت بتشريع قوانين لمنع استخدام البلاستيك الذي يُعد من الملوثات للبيئة والنباتات والحيونات البحرية. في هذا المجال، أشارت دراسة حديثة نشرتها "الغادريان" البريطانية، إلى أن العبوات البلاستيكية لا تضر وحدها الحياة البحرية، وكشفت أن اللدائن البلاستيكية الدقيقة تُشكل خطراً على بعض الحيتان وأسماك القرش. شاهدنا مرات كثيرة كيف جرفت مياه البحر الحيتان النافقة إلى الشواطئ في شتى بقاع العالم. وأظهرت الفحوصات وجود قطع كبيرة من النفايات البلاستيكية في أحشائها، ما ينذر بخطر التلوث البلاستيكي المتزايد.

وكشفت تقارير في لبنان زيادة نسبة الإصابة بالسرطان إلى 5.6% ومن المسببات الرئيسية التلوث البيئي من جراء المكبات العشوائية التي وصل عددها إلى 940 مكباً، وحرق النفايات التي تحوي البلاستيك وأكياس النايلون. وتؤكد دراسات أن حرق المواد البلاستيكية يؤدي إلى إنتاج مادة الديوكسين التي تُعد من المواد المسرطنة. وهذا ما يفسر تزايد حالات السرطان في لبنان بالإضافة إلى الملوثات الأخرى.

يجب وضع قوانين وخطط تقضي بمنع البلاستيك وأكياس النايلون على مراحل، ووضع غرامات على المخالفين، وغرامات مخالفات على حرق البلاستيك، ويجب أن يشمل الحظر استخدام وإنتاج واستيراد الأكياس البلاستيكية التي تُعد الأخطر كونها للاستعمال مرة واحدة، وتشجيع النساء على خياطة أكياس قماش للاستعمال الدائم عوضاً عن البلاستيك وتسويقها في المحلات، ودعم الجمعيات المعنية، وخصوصاً تلك التي تهتم بإعادة التدوير ووضع ضوابط على الشركات والمطاعم التي تستخدم بشكل مفرط مواد بلاستيكية في التغليف غير قابلة للتدوير، وتؤثر على صحة الإنسان، وعدم رمي النفايات البلاستيكية في الأنهار والمحيطات للحفاظ على بيئة سليمة للأجيال القادمة.

*عضو مكتب سياسي في تيار المستقبل

رئيسة جمعية سوا للتنمية