طغا إسقاط طائرة روسية، ومقتل 15 جندياً على متنها، بصاروخ روسي لقوات بشار الأسد، على المشهد السوري والإقليمي طوال نهار أمس، لما حمله الحدث الذي وقع عقب غارة إسرائيلية على مواقع عسكرية حساسة في «المعقل الأسدي» في اللاذقية، من أبعاد أمنية متداخلة، براً وبحراً وجواً، بين قوى كبيرة عدة تسعى إلى تأمين نفوذ لها في سوريا ما بعد الحل السياسي، خصوصاً للاعب الأبرز هناك حالياً، موسكو التي استشعرت مدى دقة مهمتها في الحفاظ على توازن معقول بين وجود إيراني وإصرار إسرائيلي بدعم أميركي، على مواصلة استهداف هذا الوجود.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي حمّل الإسرائيليين مسؤولية إسقاط الطائرة من قِبَل قوات الأسد ووعد بتعزيز أمن جنوده، اعتبر الحادث نتيجة «سلسلة ظروف عرضية مأسوية». في حين رأى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي أعرب عن «حزنه لمقتل طاقم الطائرة الروسية»، أن الحادث «يذكّرنا بضرورة التوصل إلى حلول دائمة وسلمية وسياسية للنزاعات المتداخلة في المنطقة (...) والحاجة الملحّة لوقف العمل الاستفزازي لإيران المتمثل بنقل أسلحة خطرة عبر سوريا».

وحمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب النظام السوري مسؤولية إسقاط الطائرة، وقال خلال مؤتمر صحافي مع الرئيس البولندي أندريه دودا: «يبدو لي بناء على مراجعة الحقائق أن سوريا أسقطت طائرة روسية. وعلى حد علمي فقد لقِي نحو 14 شخصاً حتفهم وهذا أمر محزن للغاية لكن هذا ما يحدث».

ففي موسكو أكد الرئيس الروسي في أول تعليق له عقب حادث «إيل-20» قبالة الساحل السوري، أن بلاده ستتخذ إجراءات سيلاحظها الجميع لتعزيز أمن جنودها في سوريا.

وفي مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان قال مجيبا عن سؤال حول الواقعة: «بما يخص هذه المأساة، عندما يقتل الناس وفي ظروف مأسوية كهذه، فهي مصيبة بالنسبة لنا جميعاً، للبلد ولأقارب القتلى».

ودعا الرئيس الروسي إلى عدم المقارنة بين إسقاط «إيل-20» بنيران دفاعات النظام السوري وإسقاط قاذفة «سو-24» الروسية التي أصيبت بصاروخ «جو- جو» أطلقته مقاتلة تركية من نوع «إف-16» في أواخر العام 2015.

وقال: «عندما أسقطت المقاتلة التركية طائرتنا، فهي كانت حالة مختلفة، لأنها فعلت ذلك عن قصد». وأضاف: «وهنا، على ما يبدو، تصادفت أحداث مأساوية لأن الطائرة الإسرائيلية لم تسقط طائرتنا».

وأكد ضرورة إجراء تحقيق مفصل في الواقعة، مضيفاً: «وسنقوم بزيادة أمن مواقعنا وعسكريينا في سوريا، وهذه الخطوات سيلاحظها الجميع».

وسعى الرئيس الروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نزع فتيل الأزمة الناجمة عن إسقاط القوات السورية بطريق الخطأ طائرة روسية إثر غارات إسرائيلية على سوريا.

وأعلنت موسكو أن الدفاعات الجوية السورية أَسقطت إحدى طائراتها أثناء تحليقها الليلة الماضية قبالة سوريا وكانت تقل 15 عسكرياً، محملة إسرائيل في بادئ الأمر مسؤولية الحادث بسبب «استفزازاتها المعادية» قبل أن تتحدث عن «ظروف عرضية مأسوية».

وكانت طائرة الاستطلاع الروسية من طراز «ال-20» تحلق فوق البحر على بعد أكثر من 30 كيلومتراً من الساحل السوري عند وقوع الحادث، وأسقطتها الدفاعات السورية خلال ردها على غارات كانت تشنها أربع مقاتلات إسرائيلية من طراز «أف 16» ضد مواقع في محافظة اللاذقية، بحسب ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية.

وفي بادئ الأمر، حملت موسكو إسرائيل المسؤولية واعتبرت وزارة الدفاع أن «الطيارين الإسرائيليين جعلوا من الطائرة الروسية غطاء لهم، ووضعوها بالتالي في مرمى نيران الدفاع الجوي السوري»، لكن الرئيس الروسي أعلن لاحقاً «يبدو أن الأمر مرده على الأرجح سلسلة ظروف عرضية مأسوية»، مشدداً على أنه صادق على البيان الذي نشرته وزارة الدفاع في وقت سابق، وحمّل إسرائيل مسؤولية تحطم الطائرة بسبب غاراتها «العدائية».

وقال بوتين خلال اتصال هاتفي مع نتنياهو، إن «مثل هذه العمليات من قبل سلاح الجو الإسرائيلي تنتهك السيادة السورية»، وفقاً لبيان من الكرملين. وتابع قائلاً إنه «حض الجانب الإسرائيلي على عدم السماح بحدوث مثل هذا الأمر مرة أخرى».

وفي سياق هذا الاتصال، أعلن مكتب نتنياهو أن الأخير أبلغ بوتين أن «إسرائيل مصممة على وقف ترسخ إيران عسكرياً في سوريا (...) ووقف محاولات إيران التي تدعو إلى تدمير إسرائيل، لنقل أسلحة فتاكة الى «حزب الله» (لاستخدامها) ضد إسرائيل».

وأعلن الجيش الإسرائيلي «أن الطائرة الروسية التي أصيبت لم تكن في نطاق العملية»، مضيفاً «عندما أطلق الجيش السوري الصواريخ التي أصابت الطائرة، كانت المقاتلات (الإسرائيلية) عادت إلى المجال الجوي الإسرائيلي». وقال إن طائراته هاجمت منشأة لجيش النظام السوري بينما كان يتم منها تسليم أنظمة تدخل في صناعة أسلحة دقيقة إلى «حزب الله» اللبناني.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيانه إن إسرائيل «تحمّل نظام الأسد المسؤولية الكاملة عن الحادث.. كما تعتبر إيران و «حزب الله» شريكين في المسؤولية عن هذا الحادث المؤسف».

وقال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو: «برغم الترتيبات القائمة مع إسرائيل لمنع وقوع الحوادث.. جرى إبلاغ قيادة القوات الروسية قبل دقيقة واحدة فقط من الهجوم الإسرائيلي، ما يحمّل إسرائيل كامل المسؤولية عن إسقاط الطائرة الروسية ومقتل طاقمها».

وحمّل شويغو في مكالمة هاتفية مع نظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، تل أبيب المسؤولية الكاملة عن إسقاط الطائرة الروسية «إيل 20» قبالة الساحل السوري.

وتابع قائلاً إن «وزارة الدفاع الروسية دعت الجانب الإسرائيلي مراراً إلى الامتناع عن شن الهجمات على الأراضي السورية، مشيرة إلى أنها تهدد أمن الجنود الروس.. ممارسات الجيش الإسرائيلي لا تعكس روح الشراكة الروسية - الإسرائيلية ونحتفظ بحقنا في الرد بخطوات مناسبة».

وكان المتحدث العسكري الروسي إيغور كوناتشنكوف قال إن إسرائيل «لم تبلّغ» موسكو بالعملية في اللاذقية، بل فعلت ذلك قبل «أقل من دقيقة» من الهجوم، «وبالتالي، لم يكن في الإمكان إعادة طائرة الـ20 إلى منطقة آمنة».

وكان مصدر عسكري سوري أعلن ليلاً أن الدفاعات الجوية التابعة للنظام السوري تصدت «لصواريخ معادية قادمة من عرض البحر باتجاه مدينة اللاذقية»، و«اعترض عدداً منها قبل الوصول إلى أهدافها».

واستهدف القصف وفق المرصد السوري «مستودعات ذخيرة موجودة داخل مؤسسة الصناعات التقنية» التابعة للنظام السوري على الأطراف الشرقية لمدينة اللاذقية، من دون أن «يتّضح ما إذا كانت المستودعات تابعة لقوات النظام أم للإيرانيين».

ومنذ بداية النزاع في سوريا عام 2011، قصفت إسرائيل مراراً أهدافاً عسكرية للنظام السوري وأخرى لـ«حزب الله» اللبناني ومقاتلين إيرانيين في سوريا. وأقرّت إسرائيل الشهر الحالي بأنّها شنّت مئتي غارة في سوريا في الأشهر الـ18 الأخيرة ضدّ أهداف غالبيتها إيرانية، في تأكيد نادر لعمليات عسكرية من هذا النوع.

(رويترز، أ ف ب، روسيا اليوم)