ربما للمرّة الأولى منذ نزول الروس على النكبة السورية، يشعر الأتراك بأن موقفهم إزاء هذه النكبة أقوى من مواقف غيرهم.. ويكفيهم (حتى الآن) أن ضجيج معركة إدلب المُفترضة أسفر ويسفر عن نتيجة «صادمة»: بدلاً من أن تدخل بقايا سلطة الرئيس السابق بشار الأسد إلى المنطقة الأخيرة الباقية خارج «رحمته»، دخل الأتراك إليها! وراحوا إلى تعزيز مواقعهم فيها وإظهار كل استعداد ممكن لمواجهة مَن يريد المسّ بخياراتهم ذات الطابع الاستراتيجي في الشمال السوري!

وتقريباً، يعتمدون في إدلب ومنطقتها، على ما اعتمد عليه الروس في عموم الجغرافيا السورية: انكفأ الأميركيون أيام السيّئ الذكر باراك أوباما إلى الخلف، وتبعهم، كتحصيل حاصل، الأوروبيون وغيرهم تبعاً لحسابات كثيرة انتهازية ومخزية ومشينة تتعلّق بإيران من جهة وإسرائيل من جهة ثانية. ثم تبعاً لكون «الضحايا» في هذه المذبحة مكسوري الظهر أصلاً! ولا يؤثّر الفتك بهم كثيراً أو قليلاً بأسواق المال والبورصات! ولا بأسعار الطاقة! ولا بانسياب حركة التجارة والملاحة في أعالي البحار وأسفلها! ثم على الجانب الآخر، لكون الجلاّد من «أهل الدار» ولا تسبّب جرائمه ذلك الانزعاج القيمي والأخلاقي الذي يمكن أن تثيره في الغرب، لو كان مُنفّذها أوروبياً أو أميركياً.. أو حتى إسرائيلياً!

بل واقع الأمر وحقيقته المثلى، هو أن هويّة الجلّاد تحديداً، كانت أحد دوافع الاستنكاف الأوبامي الخبيث عن التدخل للَجْم ما يحصل! أكان في البدء والأساس جلّاداً «إسلامياً» أو «عربياً» لا يتورّع عن التشبّه بالوحوش وسلوك مسلك الضواري إزاء أهل ملّته وقومه! أو كان (لاحقاً) روسيّاً، لا ضرر أبداً في إظهاره كمجرم حرب لا يتورّع عن فعل أي شيء لإنجاز معاركه! ثمّ البناء على ذلك التوصيف لإدانة أساليبه تلك ورصفها في مدوّنة الأسباب الداعية إلى «معاقبته» اقتصادياً ومالياً وسياسياً وديبلوماسياً..

ذلك الانكفاء الغربي بجملته، سمح للروس بالتفرّد في «المعالجة» العسكرية لخريطة النكبة تحت شعار «الحرب على الإرهاب»! والمختصر المفيد في هذه المناحة، أن موسكو فلحت في سوريا بضوء أخضر أوبامي! لكنّها تقف اليوم حيرانة إزاء قصّة إدلب لأنّ ذلك الضوء مالَ إلى الاصفرار مع إدارة دونالد ترامب.. بل يمكن أن يكون فعلياً وواقعياً، أكثر احمراراً ممّا تعكسه مواقف الطرفَين راهناً!

تركيا وفق هذا القياس، تدعّم وضعها في إدلب تبعاً للانكفاء الروسي القسري إذا صحّ التعبير! والذي جاء نتيجة مستجدات الموقف الأميركي أولاً وأساساً أكثر من كونه ولّاد إرادة ذاتية مفاجئة.. ورجب طيب أردوغان بهذا المعنى «يعبّئ الفراغ» في المساحة الافتراقية الفاصلة بين موقفي موسكو وواشنطن، ويستفيد من الواقعية المُلزمة التي تحكم العلاقات والمصالح بين الدول (صغرى ومتوسطة وكبرى) والتي تقول في بديهيّاتها إن الحروب البينية المباشرة في عالم اليوم لا تقع من أجل «طرف ثالث»! مهما كانت قيمته وأهميّته! وإن ثقافة الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية، انتهت منذ زمن. واستبدلت، مثلما حصل أيام الحرب الباردة (وإلى اليوم) بالمواجهات غير المباشرة، أي بالواسطة عسكرياً! وبالعقوبات المالية والاقتصادية والتجارية والديبلوماسية «مدنياً»!

أي: لو وَجَدَ الروسي «إمكانية» (أميركية) لاستئناف الحرب في إدلب لما توقّف عند أسوارها! ولو وَجَدَ التركي إمكانية لصدام مع الروس فيها لما عزّز وجوده فيها! ولما عادَ إلى فرض إرادته بعد أن غُيِّبت هذه منذ بدء «عاصفة السوخوي» في أواخر العام 2015!

.. ولا بأس أبداً من إبداء الانشراح والحبور والفرفشة إزاء هذه المستجدات في زبدتها، وخصوصاً لجهة تفادي مذبحة أخرى في حق منكوبين أصلاً. ثم لعودة الحديث إلى أصله وفصله حيث الكلام عن أي «حل» مدّعى لا يستقيم مع بقاء بشّار الأسد وبقايا سلطته!.. ثمّ فوق ذلك، لردّ الاعتبار إلى حقيقة أن «ثورة» السوريين لا تختصرها عصابات إرهابية لم تفعل في واقع الحال، سوى خدمة كل مَنْ تكالب على تلك «الثورة»!

علي نون