الدور السعودي الإيجابي، في معالجة الخلافات بين أثيوبيا وإرتيريا التي أدّت إلى حرب دموية، وأنتجت المصالحة بينهما، خطوة مهمّة على الصعيد الاستراتيجي. أصبح للسعودية موقعٌ مهمٌ في القرن الأفريقي. المهم أن تصبح هذه الخطوة مساراً فاعلاً ومؤثراً، لأنه بها يتم تحصين الضفة الأخرى من القرن الأفريقي الممتدة من السعودية إلى باب المندب ومروراً باليمن. يبدو أن القاعدة الذهبية بأن الحروب تضع رغم آلامها الاستراتيجيات المنتجة للتغيير والتقدم، صحيحة بلا استثناء.

حرب اليمن، والدور الإيراني النامي والسلبي فيها، أنتجا سريعاً استراتيجية سعودية متطورة. يبدو الآن تنفيذها وتطويرها ملحّاً جداً، لحماية المنطقة أولاً، وتطويق الطموحات الإيرانية في وضع يدها ثانياً على هذا الموقع الحسّاس والخطير في الوقت نفسه. المواجهة طويلة جداً، لذلك تتطلب الكثير من العمل المستمر والمتواصل القائم على استراتيجية سياسية مدروسة وطويلة الأمد.

إسرائيل كانت سبّاقة في اقتحام القرن الأفريقي عبر إرتيريا. ما أن استقلّت إرتيريا عن أثيوبيا، حتى جعلت من علاقاتها مع أسياس أفورقي زعيم إرتيريا، بعد أن جرت تصفية عثمان صالح سبي العروبي، طريقاً لها للدخول إلى القرن الأفريقي. السلاح وتوريده كان الطريق الأسرع، لكسب إسرائيل لإرتيريا في حربها الطويلة مع أثيوبيا.

بعد إسرائيل وحروب الصومال وحروب «القرصنة»، انتبهت القوى الكبرى إلى أهمية هذا «القرن» في تلك المنطقة الجغرافية الخطيرة والخطرة. تراجعت فرنسا أمام المدّ الأميركي، رغم أنها كانت الأولى في المنطقة عبر قاعدتها في جيبوتي. حالياً للولايات المتحدة الأميركية قواعد منها قاعدة في أثيوبيا للطائرات بلا طيّار وقاعدة في جيبوتي تضم ستة آلاف من جنود المارينز.

ما يؤكد أن الخطوة الديبلوماسية الكبيرة التي قامت بها السعودية ليست يتيمة أن السعودية على وشك الانتهاء من بناء قاعدة عسكرية لها في جيبوتي إلى جانب القواعد الأخرى التي آخرها قاعدة للصين، وهي الأولى لـ«التنّين» الصيني خارج الصين. علماً أنه حسب المعلومات الموثّقة يوجد حالياً في أفريقيا مليون صيني عامل وعشرة آلاف شركة صينية عاملة، ويبلغ حجم المبادلات التجارية بين الصين وكامل أفريقيا 150 مليار دولار. لذلك يعتقد أن القاعدة الصينية الأولى في جيبوتي لن تبقى يتيمة، وأن قواعد أخرى ستبنيها الصين على مساحة أفريقيا لتؤكد بذلك موقعها في صياغة النظام الدولي الجديد.

القاعدة السعودية زائد العلاقات الإيجابية مع كل من أثيوبيا وإرتيريا وجيبوتي، يشكلان «جداراً بحرياً» أمام التمدد الإيراني، ويوقف تهديداتها المستمرة باستعدادها لإقفال باب المندب. وفي الوقت نفسه، تقوم نقطة اعتراض قوية ومحمية (لا يمكن لإيران ولا لغيرها مهاجمة جيبوتي لأنها مركز لقواعد أميركية وفرنسية وإيطالية ويابانية) لإمدادات الحوثيين، وخفضاً مدروساً لمجهود الطيران الحربي للتحالف من اليمن، إلى جانب تعزيز حماية السفن التجارية السعودية والإماراتية التي تعبر أمام خليج عدن. ما يعزّز هذا الدور والمهمة أن الإمارات العربية، وانطلاقاً من همها في حماية «جبل علي» أقامت علاقات قوية مع جيبوتي. ما جرى حتى الآن خطوة مهمة في مسار صحيح، لكنها لا تكفي استراتيجياً. يجب الإسراع ببناء علاقات واسعة خصوصاً مع أثيوبيا التي أصحبت «أيقونة أفريقيا»، بعد مجاعات أخذت معها مليون قتيل. فهي نجحت في القفز خلال عشر سنوات بمدخولها القومي من سبعة مليارات إلى 67 ملياراً.

المهم في كل ذلك أن نجاح العلاقات مع «القرن الأفريقي»، يفلّ «حديد» الحديدة، ويسهل فتحها والتمهيد لإنهاء حرب اليمن، التي عرفت إيران كيف تستثمرها وتجعل منها «شوكة» في خاصرة المنطقة، تستزفها من دون أن تكلفها أكثر من توريد عشرات الصواريخ الباليستية وما خفّ من السلاح.

إقفال «بوابة» اليمن أمام حرب الاستنزاف الإيرانية يُساهم في التخفيف من الضغوط على العراق وسوريا.

المواجهة المستقبلية الكبرى لم تبدأ بعد، خصوصاً أنه يجب عدم اليأس من كل ما يجري في سوريا والعراق. فالسوريون والعراقيون، متعلّقون بهويّتهم العربية، إلى جانب ذلك وضمن الحسابات المذهبية البحتة فإن الوجود الإيراني في سوريا وحتى في العراق غير مرحّب به مهما ترسّخ التعاون على مستوى القيادات وزعماء الميليشيات.

في كل ما يحدث يجب الأخذ في الاعتبار موقع روسيا في استراتيجية صياغة المنطقة الممتدة من ضفاف جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى ضفاف القرن الأفريقي.

صياغة النظام الدولي الجديد تجري على مساحة هذه الجغرافيا المعقّدة أصلاً فكيف الآن وقد دخل «لاعبون» جدد سواء كانوا من القوى الإقليمية أو الدولية الجدد من وزن «التنّين الصيني».