281 قتيلاً و3432 جريحاً هو المجموع العام لضحايا حوادث السير منذ بداية 2018 وحتى بداية آب الماضي.. مجزرة حقيقية تشهدها طرقاتنا كل يوم جراء الفوضى التي تعمُّ شوارعنا، وفي ظل غياب الرقابة - خصوصاً على الشاحنات - التي يرى المواطنون انها أحد الأسباب الرئيسية لحوادث السير المميتة، كمثل حادث بشامون الشهر الماضي الذي نتج عنه قتيل وأكثر من 12 جريحا. هذا عدا الخسائر المادية الكبيرة.

معاناة.. وشهادات

مازن من سكان منطقة بشامون يصف لـ«المستقبل» الحادث الأخير في منطقتهم بـ«المجزرة الحقيقية، ولكن القدرة الالهية قللت من عدد الضحايا». هو يسلك هذه الطريق يومياً مع عائلته و«لكن، في كل يوم، ينتابني خوف شديد من أي حادث قد نتعرض له، كالذي حصل الشهر الماضي، خصوصاً وأنَّ الشاحنات تعبر هذه الطريق يومياً من المدينة الصناعية صعوداً ونزولاً من دون اي رقيب او حسيب».

ينبه مازن الى ان «الحوادث في بشامون معرضة للارتفاع أكثر في الأشهر المقبلة إن لم تتخذ الدولة والبلديات والشرطة الاجراءات اللازمة. فالمنطقة تضم عشرات المدارس ولا يوجد سوى مخرج واحد يعبره الأهالي وباصات المدراس والشاحنات. كما ان المنطقة تضم عدداً من المعامل والشركات التجارية والصناعية.. وفصل الشتاء على الأبواب في ظلّ طرقات لا تصلح للمشي حتى سيراً على الاقدام».

رأي محمد لا يختلف عن رأي مازن من حيث خطورة الشاحنات، وهو من سكان البقاع، لاسيما على الطرقات الجبلية التي قد تكون الأخطر بسبب طبيعة طرقات لبنان من جهة، وعدم تأهيلها وصيانتها الدائمة من جهة أخرى. يقول لـ«المستقبل» «الشاحنات هي أحد الاسباب الرئيسية لحوادث السير في لبنان خصوصاً على طريق الشام، كونها الطريق الأنشط اقتصادياً والأخطر بالنسبة للمواطنين الذين يسكنون في الجبل او في البقاع». وهو يناشد المسؤولين التنبه لهذا الأمر جيداً «ونحن على أبواب فصل الشتاء، ويستحسن تنظيم أوقات عمل الشاحنات التي تسبب أيضاً أزمة سير خانقة وتسبب للمواطنين خسائر اقتصادية. فاذا تعطلت شاحنة مثلا، يتوقف السير وبالتالي لا نصل الى عملنا في الوقت المحدد، وتبدأ الخصومات. وهذا ما يحصل معنا بشكل دائم كموظفين، فضلاً عن مصاريف الوقود التي تزداد بسبب زحمة السير، والأهم من ذلك كله الخطورة التي تسببها هذه الشاحنات علينا كمواطنين من جراء عدم التزامها بالقونين من حيث السرعة والحمولة الزائدة وغيرها من الأمور».

هند مغتربة لبنانية تعيش في الكويت، تقول لـ«المستقبل»: «بعد الحوادث الأخيرة التي شهدها لبنان بتنا نعيش في رعب حقيقي مع كل لحظة نقود بها مركبتنا على الطرقات، خصوصاً في ظل وجود شاحنات على الطرقات التي نسلكها يوماً». تضيف: «في كل بلدان العالم هناك طرقات خاصة للشاحنات او بالحد الأدنى أوقات سير معينة لهم، الا في لبنان ولا ندري السبب. هل أصحبت حياة المواطن اللبناني رخيصة الى هذه الدرجة في وطنه؟».

هند التي عاشت لحظات مرعبة الأسبوع الماضي في منطقة انطلياس جراء انزلاق شاحنة كادت أن تسبب مجزرة جديدة كالتي حصلت في بشامون، تطالب المعنيين بايجاد حلّ لهذه الأزمة في ظل ارتفاع عدد الضحايا الغيرمسبوق في لبنان.

بارود: لحوار جدّي

لقد كان لوزير الداخلية السابق زياد بارود بصمات ايجابية في ما خصّ تنظيم عمل الشاحنات، مما أدى الى انخفاض عدد ضحايا حوداث السير بنسبة 57 في المئة. يقول لـ«المستقبل» «هناك شقان في هذا الموضوع، الاول يتعلق بالسلامة المرورية والثاني بتنظيم السير. فاذا اخذنا موضوع السلامة المرورية، نلاحظ ان معظم الحوادث ناتجة بالدرجة الأولى عن عدم استيفاء الشاحنات شروط السلامة العامة. هذه الشروط من المفترض ان تكون مراقبة اولاً من المعاينة الميكانيكية التي برأيي يجب ان تكون مرتين في السنة للشاحنات، وثانياً من خلال القوى الأمنية شرط ان يكون لديها التجهيزات اللازمة». يضيف: «أما في ما يتعلق بتنظيم السير، فنستطيع القول ان الشاحنات باتت تسبب ازدحاما مضاعفا كونها تسلك الطرقات نفسها التي يسلكها المواطنون، وبالتالي كل شاحنة تأخذ مكان 5 سيارات. لذلك حاولنا في فترة من الفترات تنظيم اوقات سير الشاحنات، كوننا لا نستطيع تأمين طرقات خاصة بهم، ونجحنا بنسبة كبيرة».

أكثر حوداث السير، برأي الخبراء، كما يرويها بارود تعود «اولاً بسبب الحمولة الزائدة، ثانياً بسبب عم الصيانة الدورية للشاحنات، وثالثاً عدم أهلية بعض السائقين لقيادة الشاحنات. اضافة الى الطرقات التي يجب صيانتها باستمرار وتأهيلها ايضاً».

أما الحل، برأيه، فيبدأ بـ«تجهيز مفارز السير بما يلزم للتأكد من وزن حمولة الشاحنة، خصوصاً وان طبيعة طرقات لبنان تكثر فيها المنحدرات والمنعطفات، عندها تستطيع شرطة السير مراقبة المخالفين وأخذ الاجراءات اللازمة بحقهم، وبالتالي نستطيع الحد من الحوادث الناتجة عن عدم وعي سائقي الشاحنات لما تسببه الحمولة الزائدة من خطورة عليهم اولاً وعلى المواطنين والمارة ثانياً. كما ان الحوار ضروري مع نقابة اصحاب الشاحنات، والاتفاق معهم على حلول كونه مصدر رزقهم الوحيد».

لا يختلف اثنان على الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان اليوم، التي انعكست سلباً على أصحاب الشاحنات بسبب جمود القطاع العقاري الذي يُعتبر مصدر لقمة عيشهم. وكذلك الأمر بالنسبة للحرب في سوريا التي قلصت نوعاً ما عمل الشاحنات جراء اقفال الحدود والمعابر. فبات السائق اللبناني يرضى بأي عمل في أي وقت من أجل تأمين قوت يومه.

القسيس: لتوقيف كل مخالف

يصف رئيس نقابة أصحاب الشاحنات في لبنان شفيق القسيس لـ«المستقبل» وضع السائقين بـ«بالسيء جداً خصوصاً بعد اقفال المعابرعلى رأسهم معبر نصيب البري الذي يُتيح نقل البضائع اللبنانية إلى الخليج في البر عبر سوريا والأردن، وينشط قطاع النقل البري حيث يترواح عدد الشاحنات التي كانت تعبر يومياً بين 250 شاحنة و300 قبل عام 2015 وتقلص هذا العدد إلى النصف، بسبب ارتفاع تكلفة النقل عبر البحر، مما ساهم في كساد المنتجات الزراعية في لبنان. هذا في الشأن الخارجي. اما في الداخل، فالحركة خجولة جداً بسبب جمود القطاع العقاري مما ادى الى تقليص عدد الشاحنات التي تنقل المواد الأولية من (حديد واحجار وباطون وغيرها) من المعامل الى الورش».

القسيس يدرك تماماً الخطورة التي تسببها الشاحنات اليوم خصوصاً بعد الحوادث الأخيرة في مناطق عديدة كانت بمعظمها بسبب الحمولة الزائدة. لذلك فهو يطالب «الدولة والاجهزة الأمنية بالتحرك من أجل توقيف كل شاحنة تخالف قوانين السلامة العامة، على رأسها الحمولة الزائدة التي تسبب خطورة على السائق اولاً وعلى المواطنين». يقول«طالبنا مراراً من المعنيين باعطائنا صلاحيات أوسع من أجل انشاء مدرسة لتعليم سائقي الشاحنات وتوجيههم، ولكن لا حياة لمن تنادي».

يضيف القسيس: «نحن مع تنظيم عمل الشاحنات، وسبق لنا أن نقلنا هواجسنا الى وزير الداخلية السابق زياد بارود وتجاوبنا معه بالخطة التي وضعها من أجل عملية التنظيم وأبدينا ملاحظاتنا، ولكن المشلكة انه عندما ذهب الوزير ذهبت معه الخطة ولم تُستكمل. لذلك نحن نطالب المعنيين وعلى رأسهم وزارة الداخلية والبلديات بالتعاون معنا للاتفاق على خطة لتنظيم عمل الشاحنات ولوضع خطة تحمي المواطنين والسائقين، وللاستماع الى مطالبنا التي تتلخص بمراقبة الحمولة الزائدة للشاحنات وحجز المخالفين، منحنا صلاحيات من اجل انشاء مدرسة تدرب السائقين، تسهيل كل ما يتعلق بالشاحنات في مصلحة تسجيل السيارات، وتنظيم عمل الشاحنات الداخلية والخارجية».

وزني: مطالب وركود

«مطالب أصحاب الشاحنات ازدادت في الفترة الأخيرة جراء الركود الاقتصادي الذي يرزح تحته لبنان» بحسب ما أشار الخبير الاقتصادي غازي وزني لـ«المستقبل». «لذلك يجب أن يكون هناك تواصل بين أصحاب الشاحنات وبين السلطة السياسية، من أجل الوصول الى صيغة ترضي الطرفين». يضيف: «لا اعتقد ان احداً من الطرفين ضد فكرة تنظيم أوقات عمل الشاحنات، الذي يخفف زحمة السير وهذا عامل مساعد جداً للاقتصاد اللبناني، لأن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن زحمة السير تُقدر اليوم بنحو 2 ملياري دولار سنوياً وهذا الرقم كبير جداً بالنسبة للبنان». يتابع: «ان تنظيم عمل الشاحنات سيكون له وقع ايجابي على الاصعدة كافة، ولن يسبب اي خسائر اقتصادية كما يدعي البعض، على العكس تماماً. فهو عامل مساعد للاقتصاد. وبرأيي الخطة التي بدأها وزير الداخلية السابق زياد بارود كانت ممتازة».

يختم وزني حديثه بالقول: «يجب على الدولة العمل ايضاً لاعادة تأهيل البنى التحتية والطرقات، خصوصاً وان عدد المركبات الآلية يزداد سنوياً بنحو 7 في المئة الى 8. واليوم اعتقد اننا قد تجاوزنا المليون و600 الف مركبة، وبالتالي الطرقات لم تعد تستوعب هذا العدد، لذلك، يجب استدراك هذا الأمر قبل اعادة فتح المعابر بين لبنان وسوريا».

ولكن يبقى السؤال ما هو دور القوى الأمنية اليوم؟

مصدر امني

يؤكد مصدر امني لـ«المستقبل» «ان قوى الأمن الداخلي سطّرت آلاف المحاضر بحق الشاحنات المخالفة. ولكن أزمة الشاحنات هي من ضمن الفوضى التي نعيشها اليوم بالنسبة لأعداد المركبات الهائلة المتواجدة على الاراضي اللبنانية، في ظل غياب اي رؤية لتنظميها، مما يسبب بطبيعة الحال فوضى كما هو حاصل اليوم، مع العلم ان القوى الأمنية تقوم بواجبها وأكثر في هذا المجال ولكن ضمن الامكانيات المتوافرة لدينا». يضيف المصدر: «لا نستطيع ان نغفل عن ان عدد الآليات في لبنان يزداد كل عام بنسب كبيرة مقارنة بالقدرة الاستيعابية للبلد في ظل غياب التنظيم وفي ظل طرقات لا تستوعب هذا العدد، مما يشكل عبئاً اضافياً على القوى الامنية في تطبيق القانون كما يجب. فـ 80 في المئة من السكان في لبنان يستخدمون مركباتهم الخاصة، على عكس الدول المتطورة التي تصل نسبة استخدام المركبة الخاصة ما بين 20 في المئة الى 30 في المئة فقط، هذه معادلة حسابية واضحة للضغط الهائل الموجود على عاتق القوى الأمنية. حتى وان استبدلنا القوى الأمنية اللبنانية بأي قوى أخرى في العالم في ظل هذه المعطيات لن تستطيع هذه القوى تطبيق القانون بصورة مستدامة».

يختم المصدر حديثه بالقول: «المسؤولية تقع على عاتق الجميع، بدءاً من المعنيين عبر وضع معالجة حقيقية للبنى التحتية، ووضع رؤية واضحة لكيفية معالجة النقل العام الذي يخفف كثيراً من زحمة السير اولاً ومن الحوادث ثانياً، وتساعد القوى الأمنية على تطبيق القانون. ومن ثم العمل مع النقابات من أجل تدريب السائقين واعطائهم التوجيهات والارشادات اللازمة من اجل سلامتهم اولاً وسلامة المواطنين ثانياً».

(خاص "المستقبل")