يتابع "الإعلام الحربي" الممانع عمله كالمعتاد: ينطلق من قياسات مركزية أساسية تضع كل "قضية" تعنيه في زاوية النزاع بين فسطاطين. واحد فيه كل الحق والخير، وآخر فيه كل الجور والشر! والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي في ذلك العرف، نتاج فسطاط الأشرار المتربصين بالأخيار، أهل المقاومات التي حطّمت الأعداء! وأوصلت أهلها وربعها وقيمها ودولها ومؤسساتها واقتصادها وعمرانها إلى سدرة المنتهى!

وللحرب عدّة قتال. وهذه تعني عسكرة وتعبئة وأدوات كثيرة متمّمة من بينها الطخّ التزويري العاري المقصود منه "إنهاك" الخصم أو بالأحرى العدو، وإرباكه وضعضعة كيانه إلى أن يركع! ويرفع العشرة مستسلماً مهزوماً وقانعاً بأنه "يستحق" ما أصابه! وأن كونه في الأصل في "الجانب الآخر"، كاف لمسحه هو "وحقوقه" بالأرض تماماً!

والمحكمة الدولية في بيان "الإعلام الحربي" هي معركة في سياق تلك الحرب! ولا تُفهم إلاّ كذلك! ولا يفترض "التعامل" معها والتصرف إزاءها إلا من ذلك المنطلق. باعتبار أن قياسات العدالة لا تحدّدها الشرائع الوضعية والمنزّلة ولا القوانين الناظمة لاجتماع البشر واصطفاف الكيانات والدول ولا بديهيات الثواب والعقاب ولا الأدلة الدامغة والوقائع الصلبة، وإنما أوزان الحديد والنار التي تدرّع نهج الاقتدار المقاوم والممانع وتمكّنه في كل حين من "الحكم" على الآخرين والتحكم بمصائرهم! وإعمال الفرز بينهم! وتحديد مَن "يبقى" ومَن يفنى! ومَن "يستحق" الغار ومَن يستحق النار، أكان هؤلاء رموزاً وقادة وروّاداً في السياسة والأخلاق وبناء الدول، أو شعوباً بأمّها وأبيها شاء سوء حظّها أن يضعها في مكان الاختلاف! وأن تتلقّف تبعاً لذلك، تداعيات ذلك الاختلاف وتدفع أثمانه صاغرة منصاعة!

على أن المحكمة الخاصة بلبنان تستحق من ذلك المحور، كل هذا "الاهتمام" وهذه "المتابعة" الدؤوبة، التفصيلية والشاملة، باعتبار أنها تطرح تحدّيات غير مألوفة، وغير مسبوقة: تنطلق على وعد المحاسبة على "الجريمة السياسية" إزاء عوالم ونظم وأطر اعتادت هي على إصدار الأحكام وتنفيذها! وتَعِدْ بالمعاقبة من زاوية قانونية عدالية بحتة وليس من زاوية "الرأي" أو "التقرير" الأمني، وتستند في ذلك كله، على حقائق وأدلّة ووقائع ثم تكشفها على الملأ سافرة عارية وكاسرة لكل عدة شغل المرتكبين بما يحيلهم بالضرورة والاستنتاج إلى عصابات إجرامية بكل طقوسها وطرق أعمالها، أكثر من كونهم "منفّذين" في أطر وأحزاب ودول "نظامية" و"شرعية" ومؤسساتية، بغضّ النظر عن أدلجتها وهويتها السياسية!

هذه المحكمة "عدوّ" من نوع آخر لم يسبق أن واجه مثيلاً له عالم الممانعة الأسدية – الإيرانية: لا يمكن قصفه بالبراميل المتفجرة! ولا بالمدافع والصواريخ! ولا بالغازات والكيماويات والفوسفوريات! ولا بالإرهاب والنسف والعسف! مثلما لا يمكن تأويل عداوته انطلاقاً من أبعاد سياسية أو مذهبية أو طائفية ولا إتهامه بالكيد التآمري المبهم والملتبس ولا بالانضواء في فسطاط التكفيريين والإرهابيين!.. بل أخطر ما في هذا "العدو" هو أنه جسم (دولي) قانوني قضائي ينقّب بالوقائع ويذيعها. وبالأدلة ويفحصها ويفصفصها. وبالدوافع والغايات ويعرضها من كل جوانبها على المكشوف! ثم يعطي المتّهم ما يعطيه للضحية، قبل أن يُحدّد هويّة الجلاّد ويحكم عليه بإسم العدالة!

.. هذه المحكمة في توقيتها، هي تكثيف (لم يكن مقصوداً) لحالات أوسع من اختصاصها: رفيق الحريري ورفاقه الشهداء هم الضحايا الابتدائيين "الذين" انضمّت إليهم لاحقاً شعوب كاملة من اليمن إلى سوريا، لمنظومة جانية عاشت طويلاً على قاعدة العنف والإفلات من العقاب.. والأحكام التي بانت ملامحها، تحمل في الإجمال، شيئاً من العدالة لكل هؤلاء الضحايا.

علي نون