انتصر الرئيس سعد الحريري من عاصمة العدل في لاهاي لعدالة لبنان ورفيق الحريري. وليّ دم والده ورفاقه تجاوز ألمه وحزنه العميقين، وحضر جلسة انطلاق المرافعات الختامية أمس الأول من داخل قاعة المحكمة، بصفته سعد رفيق الحريري لا كرئيس حكومة لبنان بالتصريف والتكليف.

جلوس الحريري أمس الأول على يمين قوس المحكمة في القسم المخصص للمتضرّرين ووسط ممثليهم ومحاميهم، يتخطى في رمزيته الزخم المعنوي الذي دفع به الربع الأول من المرافعات النهائية، ليصل إلى الإصرار على حق معرفة من حرّض وخطّط وقتل رفيق الحريري وكل رفاقه، ومن بعده لكل حادث حديث تحت عنوان "المهم البلد وما حدا أكبر منه".

علامات التأثر لم تغب عن وجه الحريري طيلة الفترة التي قضاها في المحكمة وخصوصاً عند ذكر ذاك التاريخ المشؤوم الرابع من شباط، او عند الإشارة إلى وحشية الجريمة ومقاصدها الدنيئة، غير أن الشعور العميق الذي يسكنه ولم يفارقه يوماً، مشفوعاً بالمشهد المهيب داخل قاعة المحكمة وفي حضرة العدالة، بأن العدالة آتية لا محالة، يعزّيه كما كل المتضرّرين ومن خلفهم جميع اللبنانيين.

مكتب الادّعاء، الذي يخوض معركة قانونية فريدة من نوعها مدعّمة بحقائق ووقائع وشهود لتحويل الأدلة الظرفية على خلفية الإتصالات التي تمكنت من رسم خطوط واضحة لمعالم الجريمة والمشتبه بهم الرئيسيين فيها، وقبلت بها المحكمة كأدلة لتثبيت التهم، والتي تُشرّحها أكثر فأكثر وتناقشها مع ممثلي الإدعاء، لإعطائها الصفة المؤكدة لديهم: أدلة مقنعة لا ترقى إلى شك معقول وتتمتع بالقوة والمصداقية والثبوتية، على قاعدة الأخذ بها مجتمعة لتشكل الرواية الدقيقة والكاملة لمفاصل الجريمة من التخطيط إلى التنفيذ.

وبعد جلسة أمس الأول التي خصصها الإدعاء لتأكيد الطابع السياسي لهذه الجريمة "الوحشية" المتّهم بها عناصر ينتمون إلى "حزب الله"، وفضح محاولات التضليل التي أعقبت الجريمة وأبرزها الإنتحاري المزعوم " أبو عدس"، والتشديد على الأدلة التي لا يرقى إليها الشك، خصصت الجزء الأول من جلسة أمس لمرافعات حول إسناد الهواتف للمتهمين الأربعة مدعمة بمستندات مصرفية وعقارية ورسمية وصك ملكية سيارة، وتفاصيل يومية كالشراء والتوصيل إلى المنزل باستخدام هواتف شخصية على عنوان منزله، تؤكد، فضلا عن تحديد المواقع الجغرافية للإتصالات المتكررة مع اقاربهم حيازتهم لهذه الخطوط التي استعملت مع غيرها في الجريمة.

فقد استأنفت غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان على مدى اليومين الماضيين جلساتها المخصصة للمرافعات الختامية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه. وبعد ترحيب بحضور الحريري والوفد المرافق، أوجز رئيس الغرفة القاضي دايفيد راي وقائع ما جرى في دوائر المحكمة منذ إنشائها حتى اليوم.

ثم عرض أحد ممثلي الادعاء لأدوار المتهمين على الشكل التالي: مصطفى بدر الدين العقل المدبر والمشرف على هذا الاعتداء، والادلة تشير الى انه قاد مجموعة من الشركاء في المؤامرة من بينهم المتهمون الاربعة وكلهم أنيطت بهم ادوار اساسية وحساسة في هذه المؤامرة وكانوا من دون شك نواة للتخطيط لها.

وإذ لفت الإدعاء إلى أن "النظام السوري في صلب مؤامرة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري"، شدد على أن "المتهمين ارتكبوا جريمة شنعاء ونكراء بوحشية مقززة والأدلة تشكل صورة دامغة لإتهامهم"، مشيراً إلى أن "احدى شبكات الإتصالات التي استخدمت في الجريمة كانت شبكة "حزب الله" الخضراء، التي كانت تضم 3 هواتف طبّقت درجة عالية من الانضباط للفصل بين خطي الاتصال، اي من حسن حبيب مرعي وسليم جميل عياش الى مصطفى بدر الدين، وعملوا ضمن الشبكات بشكل متكامل وفيه اندماج، فكان هناك عدد من المستخدمين المشتركين وعدد من الصلات المشتركة، كيان مشترك، وعملوا بغرض وغاية مشتركة معروفة من الجميع ألا وهي تنفيذ الاعتداء السافر الذي ادى الى اغتيال الرئيس الحريري ودمر حياة العديد".

وشدد على أن "هذا الاغتيال لم يحصل في الخواء بل كان له هدف سياسي وهذا أمر مؤكد، فهو وقع على خلفية التصعيد الخطير في التوترات السياسية وفي الخطابات السياسية وفي العنف، ومن بين امور جمة كان هناك التمديد للرئيس اميل لحود، هذا التمديد الذي سهله الرئيس الحريري على مضض تحت التهديد والاكراه من الرئيس السوري بشار الأسد، وقد ترافق ذلك كما تذكرون مع ممارسة ضغوط دولية شديدة في سياق قرار مجلس الامن 1559 الذي يطالب بالحرية والاستقلالية السياسية في لبنان وانسحاب الجيش السوري من لبنان وايضا نزع سلاح الميليشيات".

وتطرّق ممثل ادعاء آخر الى الإقتران المكاني لهواتف المتهمين وكيف شغلوا مناطق قريبة من بعضهم البعض، إن كان في الضاحية الجنوبية أو غيرها من المناطق وكذلك في مراقبة تحركات الرئيس رفيق الحريري والتحضير لخطف أحمد ابو عدس وشراء سيارة الميتسوبيشي.

وفي اليوم الثاني من المرافعات، تمحورت الجلسة حول إسناد الهواتف للمتهمين، وفيما أكد محامي الإدعاء ان المتهم أسد صبرا "قام تتالياً وتتابعاً باستخدام ثلاثة هواتف تعود له شخصيا بدليل الإتصالات والمواقع الجغرافية"، اوضح أن "الهاتف الأرجواني 095 استخدمه المتهم عنيسي من 9 كانون الثاني 2003 وحتى 16 شباط 2005 وهي فترة الاستخدام الاخيرة"، لافتاً إلى أن "أحد اصحاب شركات مزودي الخدمة تعرف على صورة عنيسي الذي كان أحد زبائنه، وتعرف الى رقم الهاتف الأرجواني 095 الذي يعود الى المتهم عنيسي، وهذا الرقم كان موجوداً ضمن ملف عنيسي".

وفي ما يتعلق بهواتف الإسناد للمتهم حسن حبيب مرعي، فقد جرى توضيح أن "المتهم حسن حبيب مرعي اسندت اليه ثلاثة هواتف وقد استخدموا في المؤامرة وفي الاعداد لتبني المسؤولية زوراً، وكان مرعي مستخدما الهاتف الارجواني 231 من على الاقل 19-12-2002 حتى 15-2-2005 وكان ايضا مستخدما الهاتف الاخضر 071 من 24-9-2004 حتى 7-2-2005، واستخدم الاخضر للتواصل حصريا مع الاخضر 023 وهو قد اسند الى الشريك في المؤامرة وهو المتهم مصطفى بدر الدين".

ولفت إلى أن "سبعة هواتف خلوية منسوبة الى عياش انتقلت من مسكنه السابق في شارع دكاش الى مسكنه التالي في العقار 177"، مشيراً إلى أنه "اظهر نفسه انه صاحب العقار 177من آذار 2002، وتغيير المستخدم حصل في شباط 2003 ومن ثم في 8-3-2003 السيد عياش سجل فواتير الكهرباء والخط الارضي الثابت في المسكن الوارد على العقار 177".

وأوضح أن "الهاتف الشخصي 935 والهاتف الشخصي 965 والهاتف الشخصي 091، مرتبطة بشكل مباشر بالسيد عياش ويمكننا ان نرى ان الهاتف الارضي للسيد عياش ايضاً من بين قائمة الاتصالات الرئيسية ونرى ان كل هذه الهواتف مرتبطة بالسيد عياش".

وشدد على أن عياش "كان المالك المسجل لسيارة BMW من شباط/فبراير 2002 حتى ديسمبر/كانون الاول 2004، وهاتف الشخص 935 استخدم جهازاً ثابتاً في السيارة واستخدمه في 3 مناسبات مختلفة، وهذا مؤشر قوي آخر على ان عياش كان مستخدم الهاتف الشخصي 935".

وأشار إلى أن "الهاتف الشخصي 170 كان مدوناً بخط اليد على وثيقة التأمين التي اشرت اليها، فاذا كل هذه الهواتف التي هي متنقلة تتحرك في لبنان على مدى اشهر عديدة وهنالك المئات من ازواج الاتصالات كانت تخضع للتحليل، مما يعني ان هناك مستخدماً واحداً فقط، واستخدمت بشكل متصل في مناطق تترافق مع عنوان منزل السيد عياش وكانت على اتصال باستمرار بهذه الهواتف الشخصية مع اشخاص لهم علاقة اثبتت مع السيد عياش". وأشار إلى أنه "اثناء موسم الحج في العام 2005، لم يتم استخدام الهواتف التي اسندت لعياش، ما يتوافق مع كونه سافر خارج البلاد".

(خاص "المستقبل")