خطفت مجزرة الطيور المهاجرة بين محمية كفرزبد وعنجر، احتفالية هواة الصيد، بقرار وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال طارق الخطيب، افتتاح «موسم الصيد البري» اعتباراً من الأول من الشهر الجاري حتى الخامس عشر من شهر شباط الآتي.

فاستعراض صيادين «لذبائحهم» من طيور مهاجرة – بعض أنواع منها استوطن محميات طبيعية في كفرزبد وعميق – أثار موجة غضب عارم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، معطوفة على ما رافقها من مواقف لناشطين بيئيين وسياسيين أدانوا القتل المتعمد لاحد أبرز عناصر التوازن الطبيعي في بلادنا والمنطقة.

واللافت في الأيام الأولى لاطلاق «موسم القتل» العشوائي، تمركز عشرات الصيادين، هواة ومدعي احتراف، قرب مناطق مصنفة محميات طبيعية، كعميق وبعض البحيرات الاصطناعية، إضافة إلى محمية كفرزبد. وهؤلاء، وبعيد انتشار أفعال زملاء لهم، أصبحوا حذرين لجهة تسللهم إلى حقول قريبة من المحميات، وأكثر حذراً لجهة نشر صور ضحاياهم أو التباهي بها، خوفاً من ملاحقات قانونية، مع العلم أننا لم نلمس مدى جديتها، بسبب من أن الإدارات المعنية، على ما يقول ناشطون بيئيون هنا، لم تنشر نتائج أي تحقيق حول ارتكابات بعض الصيادين، ولم «تشهّر» بمرتكبين، أسوة بأفعالهم الدموية والاستعراضية كي يكونوا عبرة لغيرهم.

وما أثير مع انطلاقة «موسم» الصيد البري، لا يعدو كونه نقطة في بحر ارتكابات حملة أسلحة الصيد الكثيرة. يقول أحد «منظمي» مجموعات الصيد في البقاع الغربي: لسنا بحاجة لقرار يسمح لنا ممارسة هوايتنا، فنحن نمارس «عملنا» على مدار السنة، وفي أي وقت نشاء. ولهذه الغاية، نقصد مناطق كثيرة بعضها ملاصق للحدود السورية مثل جهة دير العشائر أو في «صحراء الهرمل»، وقرب مجاري الأنهر والأودية والجبال.

وكلام «المنظم»، تؤكده روايات كثيرة عن قيام العشرات أن لم نقل المئات بممارسة الصيد الليلي، المعروف بين أوساط الصيادين بـ«اليقلوم». وهذه الطريقه الممنوعة، تعتمد على بناء غرف صغيرة وسط الحقول مجهزة بوسائل خاصة بالصيادين، حيث يعمد أصحابها إلى حفر برك واسعة يتم ملؤها بالماء، يوضع وسطها مجسمات لطيور موسمية يرافقها «بث» أصوات لأنواع محددة من الطيور بهدف استدراجها إلى البركه الاصطناعية لتجد نفسها أمام مصيرين: الشبك أو القتل.

وتنتشر خريطة «اليقاليم» في غالبية المناطق البقاعية، ومن كان غير قادر على إقامة منشآت في أرضه، عمد إلى تشييد «دشمة» مطلة على ما تبقى من مستنقعات وسط مجاري الأنهر، ليمارس هوايته دون أي رادع.

يقول (محمد م.)، لكل «يقلومه». نحن نمضي أوقات الليل في الرصد، لكن هدفنا ليس الصيد بذاته فحسب، بل نسعى كمجموعات، لتمضية أوقات سمر وسهر نلعب الورق ونتبادل الأحاديث. وفي الوقت عينه، إذا نجحنا في استدراج طرائد خاصة (بط وفرافير وغيرهما)، نتوج رحلتنا بجلسة شواء عارمة.

وليس بعيداً من تفلت الأمور من دون الحاجة إلى قرار بفتح موسم الصيد أو اقفاله، يقول الصياد (جوزف م.) من زحلة: «نعشق هذه الهواية ونمارسها باستمرار وفي كل الفصول، والدولة تعرف أن الصيادين يجوبون السهول والجبال في كل الأوقات والمواسم. وأكثر من ذلك، مجموعات الصيد، صغيرة كانت أم كبيرة، تتحرك بحرية، ومن بين أعضائها محترفون وهواة يتمتعون بنفوذ يمنع أياً كان من التعرض لهم. والأمثلة على ذلك كثيرة يعرفها القاصي والداني.

إذاً، وبحسب ناشطين بيئيين، الفلتان مزمن، وأساليب الصيد الممنوع عديدة تمارس في كل الأوقات، من بينها مثلاً افتعال حرائق قرب محميات أو احراج بهدف هروب أسراب طيور مهاجرة أو ما استوطن منها ومن ثم الإمساك بها بواسطة شباك لبيعها وإن تعذر ذلك قتلها. وقد شهدت بعض المحميات حوادث مثيرة بهذا الخصوص، واحد منها فشل بسبب حجم الحريق الذي شب في محمية عميق منذ سنتين واستطاعت قوى الأمن الداخلي إلقاء القبض على الفاعلين.

ولكن، ماذا عن «الموسم» الجديد ومدى تقيد الصيادين بالأنواع المحددة في قرار وزارة البيئة؟

يجزم العديد من البيئيين والمواطنين على السواء، باستحالة التقيد باللائحة المقررة. فالكثير من هواة الصيد، حائزون على رخصة أو من دونها، لا يمكنهم التمييز بين هذا الطائر أو ذاك، فتأتي النتيجة مخالفة تماماً للقانون. ولفت هؤلاء إلى مجازر حقيقية لا يعلم بها سوى مرتكبيها تطال أنواعاً من العصافير الصغيرة فيتكامل وللأسف، دور الأغبياء مع دور المزارعين الذين يستخدمون أسمدة كيماوية وأدوية قاتلة لعشرات الأنواع من العصافير المهاجرة أو المقيمة.

ويشيرون إلى احتواء مشانق الصيادين، و«صناديق سياراتهم» على ضحايا طيور وعصافير تدل أنواعها على سوء تمييز وعشوائية المرتكبين في اختيار الطرائد. فتجد - بحسب المواسم - الحساسين النادرة تتدلى من «مشانقهم»، والسنونو وطيور أيلول المهاجرة وحوام النحل والشحارير واليمام وما تبقى من أنواع الهدهد في بعض وديان جبال عربه والباروك.

ويخلص هؤلاء إلى أهمية اتخاذ قرار شجاع يقضي بمنع الصيد نهائياً كي يكون هذا القرار خطوة أولى على طريق استعادة لبنان لقانون التوازن البيئي. والعمل لاستحداث محميات خاصه لممارسة هواية الصيد وفق قانون صارم يسهل تطبيقه في إطار جغرافية المحمية. وهذه التجربة سبق وطبقتها جمعيات لبنانية في بعض المناطق وقد أثبتت نجاحها لا بل مساهمتها في حماية التوازن الطبيعي ليس فقط في إطار المحمية بل في المحيط واستطراد على مساحة الوطن، إذ عمد المنظمون إلى وضع أنواع محددة من الطيور والحيوانات البرية والأرانب إلخ.. في محمية الصيد، وحددوا لكل مشترك النوع والكم المسموح صيده ضمن المحمية. التجربة لم تستكمل، وذلك بسبب من عدم تبني الدولة لمثل هذا التوجه.

(خاص "المستقبل")