تلميذ جورج أورويل بريس كوتورييه صاحب كتاب "ماكرون، رئيساً فيلسوفاً"، اكتشف الكاتب البريطاني في "الليسيه"، ومن خلال قراءاته رواية "1984".

ويرى برايس كوتورييه أن هناك عدة "أولويات" واحد ضد التوتاليتارية، وواحد يتمسك بالحرية، وآخر "باليسارية" وكذك آخر بالاشتراكية الليبرالية، أو "الاتجاه اليميني المحافظ":

مع هذا القارئ العميق لأعمال أورويل الروائية "1984" و"مزرعة الحيوانات"... أجرت "الفيغارو ماغازين" الفرنسية حواراً تحدّث فيه بعمق عن "وجوه" أورويل، ومراياه، وجرأته، وجمعه بين التفكير والقوى والكتابة، عبر التزام صارم بالحرية، ومعاداة الدكتاتوريات...

********************************

*قدّمت السنة الماضية على قناة "فرانس كولتور" سلسلة مخصصة بجورج أورويل...؟

- نعم، وهذا العام في تموز مخصصة بامانويل بيري. والصيف الفائت حلقات خاصة بريمون آرون ووضعت عنواناً لهذا المسلسل "ريمون آرون على صواب"، لأسخر من هؤلاء التافهين الذين ادّعوا قبل خمسين عاماً أنّه من الأفضل "أن نكون مخطئين مع سارتر من أن نكون على صواب مع إرون". وينسجم اختيار أورويل مع مناخ البرنامج: "إرويل كان على صواب".. لأنه كان محقاً في وجه كل العالم ووحده، لقد واجه ثلاثة وحوش، في مرحلته: الإمبريالية البريطانية، والفاشية والشيوعية.

*ما الذي يشغفك عند الكاتب البريطاني؟

- أولى ميزات أرويل: كان يؤمن بأن الحقيقة موجودة ويمكننا إيجادها. فالقاعدة السائدة في عصره كانت موجّهة، كما هي حالنا اليوم. "فالمثقفون الملتزمون" كانوا يعلّمون أنه علينا أن نكذب - مثلاً: على معسكرات الاعتقال السوفياتي بسبب وجيه "من أجل تيئييس بيلاكور. كما كان يقول سارتر الذي انتقد تقرير غروتشون الذي كشف جرائم ستالين، لأنه يضعف رغبة العمال الفرنسيين للشيوعية.

والأكثر شريحة هي الأفضل التي تخدم "المضطهدين".. كتب أورويل: إن أكثر ما أرعبه هو أن الشعور بمفهوم الحقيقة في طريقه الى الزوال من عالمنا". فرسالة الكاتب بالنسبة إليه إيجاد الكلمات الصحيحة لوصف الحقيقية.

*متى وكيف اكتشفته؟

- اكتشفته مبكراً في الليسيه من قراءتي روايته "1984". وبعدها، اكتشفت كتابه الآخر "مزرعة الحيوانات"، قصة سياسية صارخة بمذاق سويفت.

*نرى اليوم أن ثمّة معاودة لأهمية أورويل. بمَ تشكل أعمال صدى في عصرنا؟ فهل للعالم الجديد شيء من أورويل؟

- نكتشف أورويل باستمرار منذ وفاته باسل عام 1950 وهو في السادسة والأربعين: جيلاني أو ثلاثة قرأوا أورويل، وكلٌّ منهم كان يجد مادة للتفكير بالنسبة للأوضاع.. ما بين 1970 و1980 راجت كثيراً قراءة أورويل بسبب نقده "التوتاليتارية"، فالأنظمة الشيوعية "التي لا تخطئ أبداً" منعت كتبه: اليوم غيّر الكابوس التوتاليتاري وجهه. نهجه الجديد ها هو يرى النور في الصين، من خلال المراقبة المتفردة لكل السكان، بفضل الوسائل الجديدة التي يوفّرها "الذكاء الاصطناعي". وفي كوريا الشمالية مع زعيمها الأوحد النظام تجسيد للكابوس التوتاليتاري كما وصفه أورويل في "1984" وعندنا، في الغرب، هذه الطريقة في تكرار الشعارات الفارغة كلهم كجوقة،؟؟؟ بضمير نقي لمطاردة الأفكار الانتقالية التي تذكّر بجلسات الكراهية الجماعية في 1984.. أما ما يخص تفاهة الجماهير، أي تلك السذاجة التي تتمثل بتقوية سلطات الدولة دائماً بأمل وهمي "النضال ضد عدم المساواة"، وقد وصفه أورويل بشكل رائع في مزرعة الحيوانات.

*إرثه مدار جدل من اليسار واليمين والليبراليين والمحافظين. كيف تفسّر ذلك؟

- "كقناعة شخصية أنا بشكل حاسم يساري" هذا ما كتبه أرويل في كتاب "ملاحظات أوتوبيوغرافية عام 1940.. وبرهن على ذلك.. أثناء الحرب الإسبانية قاتل ضد الفاشية في صفوف "البوم" عام 1937. وقد أصيب إصابة بالغة، ونجا من الإعدام الذي أعلنه الشيوعيين ضد التروتسكيين والفوضويين في برشلونة.

تعرّض في تلك الفترة قيادات من "بوم" للتعذيب حتى الموت من قبَل العملاء الستالينيين. أورويل وزوجته كانا مطاردَين باعتبارهما تروتسكيين، وهربا عن طريق فرنسا الى إنكلترا، وقد وصف ما شاهده كاتالونيا، مدنياً الاكاذيب الملفتة ضد الجمهوريين.

"قرأت قصة معارك كبيرة حيث لم يكن هناك أي معركة، ثم ولا أي سطر عندما كان مئات الناس يُقتلون. شاهدت أدنيو جنوداً أبلوا بلاء حسنا فيلاقتال. تويخ؟؟؟؟؟ جبناء وخونة، وآخرون مكرّمون ولم يطلقوا رصاصة واحدة، وعوملوا معاملة أبطال انتصارات كلها وهمية، بينما كانت صحف لندن تأخذ على عاتقها وتبث هذه الأكاذيب".

وهذا ردّ عليه كراهية جزء كبير من اليسار المثقف. هؤلاء الناس يدّعون أن قول الحقيقة حول الأساليب الشيوعية في هذه الحرب لا يمكن إلا أن يضعف المعسكر المناهض للفاشية.

دائماً المنطق: ثم انخرط بحزب يساري منشقّ، "الاندنبت لايور بارتي". لكن هذا الاشتراكي كان مرتاباً من شكل من أشكال الدولتية، وتخطيط الاقتصاد.. إنه اشتراكي ليبرالي مناهض للاستبداد لا يراهن على رغبة انتقام البروليتاريا ليصنع "الثورة"، ولكن حسّ الصواب، وقيَم الأخلاق للناس العاديين، ووطنيّتهم أيضاً في مواجهة ألمانيا الهتلرية.. لكن على خلاف المناضلين المناهضين للاستعمار، فإنه لم يكن يستعمل رومنطيقية الشعوب المستعمرة.. فأرويل لا يؤمن كثيراً بالفضائل الطبيعية عند المضطهدين. فهو يذكر كثيراً بالبير كامو. هو يساري يكره جزءاً كبيراً من اليسار، ويقارب بعض أحزاب اليمين.

*هل تشاطرتحديد جان كلود ميشيا الذي يرى فيه فوضويّاً محافظاً؟

- كل واحد يشد أورويل الى الجهة التي تناسبه. لكن ليس بهذه الطريقة أوصف قراءة أورويل بحسب ميشيا. فميشيا حالة غريبة: فهو مفكّرنا المناهض لليبرالية الأكثر تماسكاً والأكثر راديكالية، لأنه ينتقد مباشرة ثقافة التنوير. إنه رجل يساري يتعرض لكلّ ما هو، في اليسار، يتّجه الى اقتلاع أو تدمير المجتمعات بإسم التقدم وهيمنة الفرد.. فهو يأخذ من أورويل ما يناسبه. الـ"Common decency" للناس العاديين كنقطة انطلاق ضرورية لسياسة اشتراكية. الشروط الثقافية الضرورية كشرط ضروري لمثال عالمي. فهو مثل أورويل قلق من "البشر الجدد".

*وأنت أيضاً تحدّد موقعك بليبرالي، وأرويل الذي كان يحدّد نفسه كإشتراكي، هل يمكن حقاً أن يُصنّف في المعسكر الليبرالي؟ ألا يتعلق الأمر بانحراف سياسي؟

- أورويل كما أراه واجه كريستوفر هيتشينز، وأورويل منشقّي أوروبا الوسطى.. بالنسبة لـ"هيتش" (مثالي في المادة الصحافية الثقافية)، فإن تفوّق أورويل يقوم خصوصاً على الثقة التي يظهرها في اللغة، الأدب، لكي يتوصل ويقول الحقيقة.

في "Why Orwell Matters"، كتب أن أورويل كان يتمسك باللغة المشتركة، المقبولة، من أجل شرط بحال ديموقراطي"، "بالنسبة الى أورويل الذي نحتاج إليه، هي كلمة تفكّر ما تقول وربما هي خاضعة للدحض في كلماته الخاصة.. وسيكون ذلك دائماً مسألة خطاب عتيق؛ مرتبط عضويّاً بالحقائق القديمة، كما بدت وعبّر عنها ونقلها الأدب".

بالنسبة لـ"هيتش"، فهو أفضل رد على كل "المفكّكين" الذين يتعاملون مع اللعبة بارتياب، أو يعتبرونا بوضوح فاشيّة!: "هيتش" أورويل كان ليبرالياً يسارياً، قريباً من شكل محافظ على الصعيد الثقافي".

*ما هي أعمال أرويل التي أثرت فيك بشكل خاص، وتحديداً بين أبحاثه؟

- أنوّه بحماس، "الأسد والفارن" (حيوان أسطوري)، و"اشتراكية وعبقرية إنكليزية، نص يعود الى 1941 وارد في مجلد "في بطن الحوت ودراسات أخرى".

إنه هجوم مباشر ضد السينيكية وعماء المثقفين إزاء لعبة الحرب، الاستمرار في صفوف سلمية هاذية، مزدوج بتحليل ملائم لطبيعة النازية الثورية.. أغبياء عديدون أرادوا أن يروا فيها عودة "الى القرون الوسطى"، لكي ينقذوا، لمصلحة اليسار وحده، مفهوم الثورة.

تقديم وترجمة

بول شاوول

كلام الصور

*جورج أوريل

*تلميذه برميس كوكوربي