فيه الكثير من النَفَس الأوبامي المخزي، موقف الرئيس دونالد ترامب من الكارثة المُحتملة في إدلب.. كأنّه يكرّر في موقع واحد أخطاء استراتيجية كبرى سمحت بانكفاء الولايات المتحدة وتقدم الاتحاد الروسي! فيما الأنشودة الوحيدة التي يضعها ويكرّرها لتبرير كل سياساته العنيفة والصادمة إزاء الحلفاء والأصدقاء قبل الأخصام والأعداء، هي «أميركا أولاً»! بمعنى يُفصح ويستبطن إعادة الريادة والسيادة والرئاسة لأعظم وأغنى وأقوى دولة في التاريخ، بعد أن زعزع ذلك الكيان سلفه السيّئ الذكر باراك أوباما!

ويُفهم في الإجمال، وإن بصعوبة (ضميرية وأخلاقية) أن يبدي الأمين العام للأمم المتحدة «قلقه» الشديد على المدنيين في إدلب! وأن يُمارس بذلك «القلق» دوره ووظيفته و«إمكاناته».. مثلما يُفهم أن يبدي بابا الفاتيكان ذلك القلق الإنساني العميق على التهتّك الذي بلغته مستويات الاستهانة بالحياة والخلق وحقوق البشر البديهية والمكتسبة.. ويُفهم أن تدعو جمعيات ومنظمات تُعنى بالشؤون الإغاثية لمنكوبي الحروب والنزاعات والبلايا السوداء، إلى «حماية» المدنيين وحفظ المواثيق الخاصة بهم في كل مجال.. ويُفهم (أكثر من ذلك) أن تُشهر بعض الدول الأوروبية مواقف سياسية وإعلامية فضفاضة وتغطّي من خلالها في واقع الحال، العجز عن التدخل أو القدرة على التأثير في مسرح الأحداث خارج «الرعاية» الأميركية المباشرة.

.. لكن ما لا يُفهم راهناً، ولم يكن مفهوماً سابقاً أيام أوباما، هو أن ينضم رئيس الولايات المتحدة إلى جوقة ليست له! ولا تليق به! وأن يتحدث بلغة «التمنيات» و«الأماني» ثم أن يُحاضر بالإنسانيات وكأنه في مكان ما رئيس جمعية خيرية غير ربحية ولا شغل لها ولا همّ سوى وضع الضمير في موضع الريادة والفرادة، ولا شيء آخر!

ترامب يُحذّر (أو بالأحرى ينبّه!) بالأمس، رئيس سوريا السابق بشار الأسد من «التهوّر» في الهجوم على إدلب.. ثم يضيف شيئاً آخر أكثر عجباً بقوله: «سيرتكب الروس والإيرانيون خطأ جسيماً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة»!

يُفهم من هذا الكلام أن واشنطن «موافقة» على «تطهير» إدلب لكن بسلاسة ونعومة إذا أمكن! وليست معنية سوى «بتهوّر» المهاجمين وخصوصاً رئيس نظام البراميل المفخّخة، والذهاب إلى استخدام السلاح الكيماوي لمحاولة اختصار المعركة و«تكثيفها» وضمان الربح فيها.. و«يستنتج» بعد ذلك أن الروس والإيرانيين «سيرتكبون خطأ جسيماً بالمشاركة في هذه المأساة»! و«يناشدهم» عدم «السماح (ربما) بمقتل مئات الآلاف من الأشخاص»!

«الفظاعة» مضاعفة في الجملة الأخيرة: رئيس الولايات المتحدة يرى أمامه احتمالاً واقعياً لمقتل «مئات الألوف من الأشخاص» في معركة عنوانها التخلّص من بضعة آلاف من «الإرهابيين»، لكنه يكتفي بالمناشدة والتمنّي والتنبيه والوعظ والإرشاد! شيء أوبامي تام! سوى أن هذا الأخير أدرج تمْسحته وخبثه وبلع لسانه و«خطوطه الحمر» في سياق استراتيجية كبرى فيها السياسي الآني الخاص بتشليح إيران مشروع القنبلة «النووية»، وفيها الأدلجة العرجاء الخاصة بخضّ الإسلام الأكثري من داخله تبعاً لتحميله المسؤولية البذرية والجذورية عن ظاهرة «الإرهاب» التي طالت القلب الأميركي بإجرامها وعبثيّتها!

تغاضى السيّئ الذكر هذا عن جريمة قتل 1700 سوري معظمهم أطفال، بالغاز السام في الغوطة عام 2013 في سياق تلك الاستراتيجية.. ثم لحصوله على ثمن تبيّن أنّه غير تام وخادع، هو تشليح الأسد مخزونه الكيماوي! لكن التهتك الذي أشاعه بانتهازيّته وحَوَله وخبثه دفع بكبار المسؤولين في إدارته إلى مغادرتها ومهاجمته لاحقاً.. إلى أن خرج بالأمس آخر وزير خارجية في عهده (جون كيري) ليشهد بأن «إدارة أوباما لم تكن على قدر المسؤولية» وسياستها لم تجلب السلام و«علينا أن نعترف للأمة الأميركية أن الولايات المتحدة تدفع ثمن تقاعسها في سوريا»!

ترامب جاء بأجندة مناقضة لأجندة أوباما وخصوصاً في شقّها الإيراني وخلفيات «الإرهاب». وقدّم السياسة الواقعية على الأدلجة النظرية، وصوّب الرمي عندما اتهم إيران بأنها «دولة راعية للإرهاب» ومصدر المتاعب والمشاكل في عموم المنطقة العربية، وبدأ في «محاسبتها» بالجملة! لكنه في القضية الإدلبية يبدو وكأنه لا يعرف ماذا يريد! ولا يعرف ماذا يفعل. يلتزم سياسة إنهاء أو تحجيم «النفوذ» الإيراني في سوريا، لكنه يتفرّج على احتمال تمدّد ذلك النفوذ إلى إدلب! ويتدرّج نزولاً من الوعيد والتصعيد إلى «المناشدة» و«التنبيه»! ثم الأنكر من ذلك يعتبر احتمال «مقتل مئات الآلاف من الأشخاص» «كارثة إنسانية» لا قدرة له على صدِّها ووقفها، تماماً مثل العواصف الطبيعية والزلازل الأرضية والانفجارات البركانية!

.. سقطة ترامب في إدلب ستكون أخطر من سقطة أوباما في الغوطة الدمشقية!

علي نون