لافت جداً أن يأتي وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى دمشق غداة واحدة من أعنف الغارات الإسرائيلية على مطار المزّة الشهير فيها والتي قيل إنّ إيرانيين كباراً كانوا من بين ضحاياها لكن من دون أن يقول كلمة واحدة (واحدة!) عن ذلك الحدث الجلل، بل راح فوراً الى التأكيد على ضرورة "تطهير" أدلب من "الإرهابيين"!

أي كأنّه "يطمئن" إسرائيل الى ثبات الأداء والسياسات، ويقول لها أن الزيارة التي تأتي عشية القمة الثلاثية الروسية – التركية – الإيرانية، لا يجب أن "تُفهم" من قبلها وكأنها ردٌّ حتى بالشكل الديبلوماسي على الضربة الأخيرة في مطار المزّة.. السابق! وانها في الأساس، (أي إسرائيل!) فهمت وتفهم خطأ طبيعة "الوجود" الإيراني في سوريا برغم "التوضيحات" المتتالية، الميدانية والسياسية والتوجيهية التي أرسلت إليها على مدى المرحلة القتالية السابقة والتي أكدت (أو يُفترض ذلك!) في صفوتها وزبدتها وخلاصاتها ويومياتها وتفاصيلها وعموميّاتها أن مركزها في أجندة العداوات تراجع الى الخلف منذ زمن طويل، وأن الأولوية التامة هي للبعد "الأهلي" الإسلامي (مذهبياً) وصنوه القومي (عربياً)، وأن السعي الى مراكمة النفوذ في أصله وفصله يدخل في سياق إستراتيجية الإحياء الامبراطوري الذي لا يحيا سوى على ركيزتَين أساسيّتَين من ضمن ركائز أخرى: تحطيم استقرار الجوار العربي والابتعاد عن المسّ (المباشر) بإسرائيل!

بل حتى بالواسطة، أي من خلال "خزب الله" مثلاً، أو أي جماعة مذهبية تسرح في سوريا برعاية إيرانية، لا تجد طهران نفسها معنيّة بأي صَدام مع إسرائيل،

وكي لا تُفهم الرسالة الراهنة ناقصة، أو ملتبسة، واكب الناطق بإسم الخارجية من طهران بهرام قاسمي زيارة ظريف بتصريح توضيحي إضافي أكد فيه أن بلاده "ستواصل دعم الحكومة السورية في جهودها لاستئصال الإرهابيين(...) وفي حملتها المقبلة في أدلب".

وفي القول المزدوج من طهران ودمشق سواء بسواء ما يكفي للافتراض أيضاً بأن القيادة الإيرانية "تستدرك" الالتباس الذي سبّبته زيارة وزير الدفاع أمير حاتمي الى سوريا في الأسبوع الماضيّ! والذي وإن لم يُطلق بدوره أي مواقف عدائية يُعتّد بها، فإن "وجوده" في دمشق ثم في حلب (!) وحديثه عن "اتفاق" مع بقايا السلطة الأسدية لإعادة "بناء الجيش السوري"، اعتبرتهما إسرائيل "فعلاً مُعادياً" يستدعي في كل حال، إستئناف العمل القصفي المعتاد والذي سرعان ما طال مطار المزّة الدمشقي!

ثم هناك شيء آخر وغريب: كأن إيران تحاول الفصل (وإسرائيل ترفض) بين متوجّبات وضرورات الاشتباك السياسي العنيف مع الأميركيين وبين الموقف المبدئي القابل بإدراج "النفوذ الإيراني" ضمن الضوابط الروسية الملبّية لشروط عدم تهديد الإسرائيليين في "أفهم الحدودي"! أي أن طهران تحاول وضع القرار بإخراجها من سوريا في خانة الأميركيين وحدهم، وتتصرّف ميدانياً وسياسياً في إطار الردّ على ذلك القرار، إلا أن إسرائيل ترفض المحاولة وتؤكد "تلازم المسار والمصير" مع واشنطن! وتاريخيّة العلاقة معها برغم مستجدات الإغراءات الروسية والتهافت الإيراني!

.. أولاد حرام الإسرائيليون! لا يثقون سوى بغريزتهم! ولا يقبلون بقسمة أي كعكة إذا صنّفوها في خانة مكتسباتهم! ولا يراعون حليفاً أو صديقاً أو عدواً أو متهافتاً إذا لم يكونوا مضطرين لذلك! ولا يرضون حتى باللياقات التي تستدعي حفظ ماء الوجه لمن يستهدفونه حتى لو استسلم ورفع العشرة!!

علي نون