كاتب «الآيات الشيطانية» و«أطفال منتصف الليل» التي ستبث كمسلسل على نيتفليكس، يعود برواية جديدة «البيت الذهبي» The Golden House (دار راندوم هاوس للنشر ودار فنتج للنشر)، وهي رواية عن أميركا اليوم، والمهاجرين، والمليارديرية، وأميركا في عصر ترامب. هنا حوار أجرته معها مجلة لوبوان الفرنسية:

*****************************

* قلت في مذكراتك إن كتابة القصة الخيالية تمنحك إمكانية الهروب من «الغرفة السوداء» التي كنت غارقاً فيها. ماذا تنتظر من «الخيال»، وقد خرجت الآن من الغرفة السوداء؟

-.. يبقى الخيال شكلاً من أشكال الهروب لكن يشغلك في العالم.. وهو الوسيلة للسماح لي أن أسافر في مخيلتي الخاصة، وهذا أكثر أهمية من السفر في «الغرفة السوداء».

* نعم، لكن حتى وإن بدا أن الناس تفضل القصص الواقعية، على القصص الخيالية؟

- لست متأكداً من أن ذلك صحيح، هاك النجاح العالمي لمرغريت استوود، للبيست سليرز «Laser voute Ecarlate» التي أصبحت مسلسلاً على نتفيليكس: أو رواية هاروكي موراكامي: فهو يكتب مؤلفات على قدر كبير من الخيال، وله شعبية بشكل واسع. كما كانت الحال عندما كنت شاباً كانت الناس تطالب بقصص واقعية. ثم جاءت موجة الخيال الذاتي مع أناس مثل كنوسغارد. لكنها موضة، فهناك معرض في الأدب كما في كل شيء، وككل شيء تمضي الموضات الأدبية..

لكنني إذا كتبت ببساطة «الخيال» فلأنها الطريقة الأكثر أهمية التي وجدتها لفهم العالم الذي يحيط بي.. وكأنني أقوم كل يوم بسفر إلى حياتي، وإن القصص التي أرويها هي المركبة التي اخترتها، المعجزة، الحظ، وسواهما، تجد أحياناً أصداء عند القارئ الذي اقترحها عليه.. فالكتابة كمثل اللعب بـ«الروليت»، ما عدا وضع كل المال على رقم واحد.

* هل يحتاج الراشدون دائماً، مثل الأطفال إلى القصص؟

- كل الناس يحتاجون إلى القصص، العائلات، والمجتمعات تبقى معاً لأنها تعرف كيف تروي قصصاً. حاجة للقصص متجذّرة في عمق القلب الإنساني، كما رواها نواه هاراري: «Homo Sahrus» سيطر على العالم لأنه كان الحيوان الوحيد القادر على الإيمان بأمور غير موجودة إلاّ في خيالاته، والأديان ما كانت حققت هذه النجاحات الكبيرة من دون القصص التي ترويها. وهذا يبقى إحدى الحاجات الأولية للكائن الإنساني.. خذ طفلاً، بعدما ينهي طعامه، ويحس بالأمان، ماذا يطلب منك؟ «أحكِ لي قصة»؟ وهذا يستمر في سن الرشد.

* قلت إن «بلوم» في رواية «يوليس» لجويس كان بطلك الأدبي المفضل.. وبطلتك؟

- هرميون في «هاري بوتر». حقاً إنها الألمع.

* ماذا كنت تبحث عبر هذه الرواية؟

- كنت أريد التقاط لحظة عن أميركا، مثلما فعل فينزيرالد في «غاشبي الرائع»، أميركا التي نعيش فيها.. لكن أيضاً ثوابت أميركا، أي الهوية التي تملك أو التي خلفت، فهي لعبة أساسية، ذلك، أنه إذا كان مفهوم الهوية السرّي كان خصوصية فرنسية، مع فانتوماس أو أرسين لوبين، فهي، الآن، متجذرة في النفسية الأميركية بفضل السوبر أبطال: بروس داين يسمى أيضاً باتمان. فالإيرانيون كما يقول الراوي، كانوا يقرّرون دائماً اسماء يريدون حملها، كما قرار أن يكونوا: مارك كليمنس صار مارك توين، وغاشبي ليس الاسم الحقيقي لفاشبي، فهو يصل من الخارج وفي نيويوك ابتكره من جديد. إنها حالة عائلة «غولدن».

* باسم الأسماء القديمة! وما هو معنى هذا الابتكار من جديد عن طريق روما أو أثينا؟

- ما يهمّني في العصر القديم، وهذا خاص بالتراجيديات الإغريقية أوالرومانية، أنه، منذ اللحظة الأولى نعرف أنّ الكارثة ستقع: كليمنت، مهما حصل، ستقتل اغاممنون، لأنه قتل ابنتها؛ وستقتل كلمينت بيد أوريست لأنها قتلت اغاممنون. لا شيء يمنع هذه الآلية اللازبة: في بداية روايتي نفهم أن نيرون يحاول أن يفلت من شيء ضخم جداً وأسود جداً، ويعمل الكثير على أن يحدث ذلك.

عائلة «الغولدن» تشوّش الأمور، لكن، بطريقة مفارقة يعلنون مصيرهم: نيرون، اللهب «بيترون» فكرة انحطاط لامع.

* هذا التغيّر في الاسم أوَليس أيضاً، تلميح إلى ذلك، أنت أيضاً كان عليك أن تغيّر اسمك عندما كنت مهدّداً؟

- ليس فعلاً! الأسباب التي حملت عائلة غولدن على تغيير هويّتها مختلفة..

* كتاب يحكي عن انتخاب «الجوكر» مثل الشرّير في «باتمان»، والذي نتعرف به على الرئيس ترامب. أأنت تراه هكذا؟! شخصية من شريط مصوّر؟

- لا أظن أنه يرى نفسه كشخصية من شريط مصوّر! لكن يبدو أنه مبني ببعدين فقط: لماذا «الجوكر» لأن جلده ناصع البياض! ولأنني أيضاً لم أكن أريد وضع اسمه في الكتاب، وهو نموذجي كمحتال كبير، يدّعي أن «الفرق» هو «النحت» أو أن المعرفة هي الجهل.. شخص لا يمكن أن يتصور أحد أنه يحمل شيفرة السلاح النووي عندما بدأت كتابي، قبل سنتين من انتخاب ترامب، لم يكن أحد يتصوّر أنه سيفوز: وما هو طريف، أنني كلما كنت أقترب من النهاية، يشير الكتاب إلى الوجهة التي سيأخذها الواقع. انتخب ترامب، كأن الخيال كان يعرض المستقبل.

* هذا لا يمنع أن الوضع الاقتصادي جيد في الولايات المتحدة.

- لن تجعلني أقول شيئاً حسناً عن ترامب؟ عال! الوضع الاقتصادي ليس سيئاً، لكن كل ما عدا ذلك رهيب! فالبلاد منقسمة تماماً، وهذا ما كان سيحصل مع هيلاري كلينتون لو نجحت، وكان ذلك حقيقياً قبل ترامب. لكن الآن، عندنا شعور بأن أميركا، هي فقاعاتان داخلهما لا أحد يتكلم اللغة ذاتها..

* ماذا تبقى من الحلم الأميركي إذاً؟

- لم يبقَ الشيء الكثير، مع هذا الرئيس الذي يحكم كما لو أنه كان في عائلة كردشيان.. إحدى مهارات ترامب أن يجعل الناس تصدّق أنه يجسّد عودة أميركا إلى نوع من العظمة. كثيرون عشقوا هذا الشعار وصوّتوا للفكرة، لكن أي أميركا يجب العودة إليها؟ أميركا العبودية؟ حيث لم يكن للنساء حق التصويت؟ حيث كان يذبح أوائل سكان هذه البلاد؟

* قضية «الغريب» في صميم الرواية. أي نظرة لك حول مسألة المهاجرين التي تمزّق أوروبا في هذه اللحظة، وكذلك أميركا؟

- أنا ذلك الغريب: الذي ولد في الجانب السيئ من العالم، وجاء ليعيش في الجانب الطيب. كنت في الثالثة عشرة عندما وصلت من الهند إلى انكلترا، وقبل عشرين سنة، جئت من انكلترا لأعيش في الولايات المتحدة: فأنا مهاجر مضاعف.. انطبعت حياتي كلها لكوني غريباً، وبكراهية الغرباء، لكن لن ينزعوا من رأسي فكرة أن الهجرة هي مفيدة للبلدان التي تستضيفها: إنها مصدر غنى، ليس فقط تفاني: فهي قابلة للحساب بالأرقام: رفضت إدارة ترامب دراسة لوزارة الصحة، حصلت عليها «نيويوك تايمز» تشير إلى أن اللاجئين في عشر سنوات أدرّوا على البلاد 270 مليار دولار بلغة عائدات الضرائب.. وهذا يعني أن الغرباء لا يشكّلون عبئاً للبلدان المضيفة. ولا أتكلم على الموارد الأدبية: فالمهاجرون حملوا الأدب الأميركي، أولاً أوروبيون، مع إيطاليين، واسبان واليوم من العالم كله من أفريقيا شيستامندا، بنغوزي اديشي، ومن جمهورية الدويغينغان جوني دياز، ومن الصين مع بيون لي. لكن اليوم تغلق الأبواب تحت تأثير الخوف.

- إذاً، لماذا تبقى في الولايات المتحدة؟

- تبقى أمور جميلة جداً، أول تعديل في الدستور مثلاً أو إعلان الاستقلال، حيث يرد فيه «الحياة، الحرية ومتابعة السعادة والفرح». لا أظن أن هناك دستوراً في العالم حيث تذكر متابعة السعادة كونية رسمية.

* أنت تعود إلى اعتداء بومبي عام «2008». هل ما زال الإرهاب الإسلامي عدواً؟

- نعم: لكن من يعيش في الولايات المتحدة، حيث الجرائم الجماعية تُرتكب كل يوم، بسبب امتلاك الأسلحة النارية، يعرف أيضاً أن معظم هذه الجرائم ارتكبها رجال بيض مجانين أو متعصّبون. فالجنون ليس مقتصراً على الذين يتبعون إيديولوجيا ما.

* بعد ثلاثين عاماً من صدور «الآيات الشيطانية»، هل أنت آسف (أو نادم) لأنك كتبت هذا الكتاب أو أنك تهنّئ نفسك؟

- أنا مثل أديث بياف: «لا أسف على شيء». وفتوى الخميني صارت ورائي.

ترجمة وتقديم: ب.ش

كلام الصور

1 - سلمان رشدي

2 - سلمان رشدي في الثانية عشرة